فصل: تفسير الآيات رقم (16- 19)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


سورة هود

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ‏(‏1‏)‏ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ‏(‏2‏)‏ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ‏(‏3‏)‏‏}‏

لما ختمت السورة التي قبلها- كما ترى- بالحث على اتباع الكتاب ولزومه والصبر على ما يتعقب ذلك من مرائر الضير المؤدية إلى مفاوز الخير اعتماداً على المتصف بالجلال والكبرياء والكمال‏.‏ ابتدئت هذه بوصفه بما يرغب فيه، فقال بعد الإشارة إلى إعادة القرع بالتحدي على ما سلف في البقرة‏:‏ ‏{‏كتاب‏}‏ أي عظيم جامع لكل خير، ثم وصفه بقوله‏:‏ ‏{‏أحكمت‏}‏ بناه للمفعول بياناً لأن إحكامه أمر قد فرغ منه على أيسر وجه عنه سبحانه وأتقن إتقاناً لا مزيد عليه ‏{‏آياته‏}‏ أي أتقنت إتقاناً لا نقص معه فلا ينقصها الذي أنزلها بنسخها كلها بكتاب آخر ولا غيره، ولا يستطيع غيره نقص شيء منها ولا الطعن في شيء من بلاغتها أو فصاحتها بشيء يقبل، والمراد ب ‏{‏محكمات‏}‏ في آل عمران عدم التشابه‏.‏

ولما كان للتفصيل رتبة هي في غاية العظمة، أتي بأداة التراخي فقال‏:‏ ‏{‏ثم‏}‏ أي وبعد هذه الرتبة العالية التي لم يشاركه في مجموعها كتاب جعلت له رتبة أعلى منها جداً بحيث لم يشاركه في شيء منها كتاب وذلك أنه ‏{‏فصلت‏}‏ أي جعلت لها- مع كونها مفصلة إلى حلال وحرام وقصص وأمثال- فواصل ونهايات تكون بها مفارقة لما بعدها وما قبلها، يفهم منها علوم جمة ومعارف مهمة وإشارات إلى أحوال عالية، وموارد عذبة صافية، ومقامات من كل علة شافية، كما تفصل القلائد بالفرائد، وهذا التفصيل لم يشاركه في شيء منه شيء من الكتب السالفة، بل هي مدمجة إدماجاً لا فواصل لها كما يعرف ذلك من طالعها، ويكفي في معرفة ذلك ما سقته منها في تضاعيف هذا الكتاب، وما أنسب ختام هذه الآية للإحكام والتفصيل بقوله‏:‏ ‏{‏من لدن‏}‏ أي نزلت آياته محكمة مفصلة حال كونها مبتدئة من حضرة هي أغرب الحضرات الكائنة من إله ‏{‏حكيم خبير‏}‏ منتهية إليك وأنت أعلى الناس في كل وصف فلذلك لا يلحق إحكامها ولا تفصيلها، أرسلناك به قائلاً‏:‏ ‏{‏ألا تعبدوا‏}‏ أي بوجه من الوجوه ‏{‏إلا الله‏}‏ أي الإله الأعظم‏.‏

ولما كان هذا معظم ما أرسل به صلى الله عليه وسلم ومداره، استأنف الإخبار بأنه أرسله سبحانه مؤكداً له لأجل إنكارهم فقال‏:‏ ‏{‏إنني‏}‏ ولما كان إرساله صلى الله عليه وسلم لأجل رحمة العالمين، قدم ضميرهم فقال‏:‏ ‏{‏لكم منه‏}‏ أي خاصة، ثم أجمل القرآن كله في وصفيه صلى الله عليه مسلم بقوله‏:‏ مفدماً ما هو أنسب لختام التي قبلها بالصبر‏:‏ ‏{‏نذير وبشير‏}‏ كامل في كل من الوصفين غاية الكمال، وهذا التقدير يرشد إليه قوله تعالى أول التي قبلها ‏{‏أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 2‏]‏ مع إيضاحه لما عطف عليه قوله تعالى‏:‏

‏{‏ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه أن‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 25‏]‏ عطفناه عليه، وإظهاره لفائدة عطفه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ويرجح أن «لا» ناهية جازمة ل ‏{‏تعبدوا‏}‏ عطف ‏{‏أن استغفروا‏}‏ عليه، فقد ظهر من تلويح هذا وتصريحه وتصريح ما في بقية السورة أن مقصودها وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل بما يعجز الخلق لأنه من عند من هو شامل العلم كامل القدرة فهو بالغ الحكمة يعيد الخلق للجزاء كما بدأهم للعمل فوجب إفراده بالعبادة وأن يمتثل جميع أمره، ولا يترك شيء منه رجاء إقبال أحد ولا خوف إدباره، ولا يخشى غيره‏.‏ ولا يركن إلى سواه، على ذلك مضى جميع النبيين ودرج سائر المرسلين صلى الله عليه وسلم أجمعين‏.‏

ولما تقدم أنه نذير وبشير‏.‏ أتبع ذلك بما يشمل الأمرين بقوله عطفاً على ‏{‏ألا تعبدوا‏}‏ مشيراً إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره‏:‏ ‏{‏وأن استغفروا ربكم‏}‏ أي اطلبوا مع الإخلاص في العبادة أن يغفر لكم المحسن إليكم ما فرطتم فيه؛ وأشار بأداة التراخي إلى علو رتبة التوبة وأن لا سبيل إلى طلب الغفران إلا بها فقال‏:‏ ‏{‏ثم توبوا إليه‏}‏ أي ارجعوا بالظاهر والباطن رجوعاً لا رجعة فيه وإن كان المراد بها الدوام فجليل رتبته غير خفي ‏{‏يمتعكم‏}‏ أي يمد في تلذيذكم بالعيش مداً، من متع النهار‏:‏ ارتفع، والضحى‏:‏ بلغ غايته، وأمتعه الله بكذا‏:‏ أبقاه وأنشأه إلى أن يبلغ شبابه؛ ولما، كان التمتيع- وهو المتاع البالغ فيه حتى لا يكون فيه كدر- لا يكون إلا في الجنة فلذلك جعل المصدر ‏{‏متاعاً‏}‏ وأنه وضع موضع «تمتيعاً»، هذا المصدر ووصفه بقوله‏:‏ ‏{‏حسناً‏}‏ ليدل على أنه أنهى ما يليق بهذه الدار، ولقد كان ما أوتيه الصحابة رضي الله عنهم في زمن عمر رضي الله عنه من الظفر بالإهداء وسعة الدنيا ورغد العيش كذلك ‏{‏إلى‏}‏ أي ممتداً إلى ‏{‏أجل مسمى‏}‏ أي في علمه إما بالموت لكل واحد أو بانقضاء ما ضربه من الأجل للنعمة التي أشار إليها ‏{‏ويؤت كل ذي فضل‏}‏ أي عمل فاضل ‏{‏فضله‏}‏ أي جزاء ما قصد بعمله على وجه التفضيل منه سبحانه فإنه لا يجب لأحد عليه شيء، وهو مع ذلك على حسب التفضيل‏:‏ الحسنة بعشرة أمثالها؛ قال ابن مسعود‏:‏ وهلك من غلبت آحاده عشراته‏.‏

ولما انقضى التبشير مجزوماً به، أتبعه التحذير مخوفاً منه لطفاً بالعباد واستعطافاً لهم فقال‏:‏ ‏{‏وإن تولوا‏}‏ اي تكلفوا أنفسكم ضد ما طبعها الله عليه من سلامة الفطرة وسهولة الانقياد من الإعراض ولو أدنى درجاته بما اشار إليه حذف التاء ‏{‏فإني أخاف عليكم‏}‏ أي والعاقل من أبعد عن المخاوف ‏{‏عذاب يوم كبير*‏}‏ أي لكبر ما فيه من العذاب ممن قدر على إثباتكم، وخص اسم الرب تذكيراً بما له من النعم في الإيجاد والإنشاء والتربية؛ ولما كان الاستغفار- وهو طلب الغفران- مطلوباً في نفسه لكنه لا يعتبر إلا إذا قرن بالتوبة، عطف عليه ب ‏{‏ثم‏}‏ إشارة إلى عظيم رتبتها وعلى منزلتها وإن كان المراد بها الدوام عليها فجليل رتبته غير خفي، وفي التعبير عن العمل بالفضل إشارة إلى أنه لم يقع التكليف إلا بما في الوسع مع أنه من معالي الأخلاق، لأن الفضل في الأصل ما فضل عن الإنسان وتعانيه من كريم الشمائل، وما كان كذلك فهو في الذروة من الإحكام، لأنه منع الفعل من الفساد؛ والحكيم من الحكمة وهي العلم بما يجمع عليه مما يمنع الفعل من الفساد والنقض، وبها يميز الحسن من القبيح والفاسد من الصحيح، وقد أشارت الآية إلى أن الاستغفار والتوبة سبب السعة

‏{‏ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 66‏]‏ وأن الإعراض سبب الضيق، كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» ‏{‏ويؤت كل ذي فضل فضله‏}‏ إشارة إلى ثواب الآخرة، فالتوبة سبب طيب العيش في الدنيا والآخرة‏.‏

وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير في كتابه في مناسبة هذه السورة للتي قبلها‏.‏ ولما كانت سورة يونس عليه السلام قد تضمنت- من آي التنبيه والتحريك للفطر ومن العظات والتخويف والتهديد والترهيب والترغيب وتقريع المشركين والجاحدين والقطع بهم والإعلام بالجريان على حكم السوابق ووجوب التفويض والتسليم- ما لم تشمل على مثله سورة لتكرر هذه الأغراض فيها، وسبب تكرر ذلك فيها- والله أعلم- أنها أعقبت بها السبع الطوال، وقد مر التنبيه على أن سورة الأنعام بها وقع استيفاء بيان حال المتنكبين عن الصراط المستقيم على اختلاط أحوالهم، ثم استوفت سورة الأنعام ما وقعت الإحالة عليه من أحوال الأمم السالفة كما تقدم وبسطت ما أجمل من أمرهم، ثم اتبع ذلك بخطاب المستجيبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحذروا وأنذروا، وكشف عن حال من تلبس بهم من عدوهم من المنافقين، وتم المقصود من هذا في سورتي الأنفال وبراءة، ثم عاد الخطاب إلى طريقة الدعاء إلى الله والتحذير من عذابه بعد بسط ما تقدم، فكان مظنة تأكيد التخويف والترهيب لإتيان ذلك بعد بسط حال وإيضاح أدلة، فلهذا كانت سورة يونس مضمنة من هذا ما لم يضمن غيرها، ألا ترى افتتاحها بقوله‏:‏ ‏{‏إن ربكم الله‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 3‏]‏ الآيات‏.‏ ومناسبة هذا الافتتاح دعاء الخلق إلى الله في سورة البقرة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس اعبدوا ربكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 21‏]‏ ثم قد نبهوا هنا كما نبهوا هناك فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله‏}‏

‏[‏يونس‏:‏ 38‏]‏ ثم تأكدت المواعظ والزواجر والإشارات إلى أحوال المكذبين والمعاندين، فمن التنبيه ‏{‏إن ربكم الله‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 3‏]‏، ‏{‏هو الذي جعل الشمس‏}‏ ‏[‏سورة يونس، آية‏:‏ 5‏]‏، ‏{‏إن في اختلاف الليل والنهار‏}‏ ‏[‏سورة يونس، آية‏:‏ 6‏]‏، ‏{‏قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 34‏]‏، ‏{‏قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق‏}‏ ‏[‏سورة يونس، آية‏:‏ 35‏]‏، ‏{‏قل انظروا ماذا في السماوات والأرض‏}‏ ‏[‏سورة يونس، آية‏:‏ 101‏]‏- إلى غير هذا، وعلى هذا السنن تكررت العظات والأغراض المشار إليها في هذه السورة إلى قوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم‏}‏ ‏[‏سورة يونس، آية‏:‏ 108‏]‏ فحصل من سورة الأعراف والأنفال وبراءة ويونس تفصيل ما كان أجمل فيما تقدمها كما حصل مما تقدم تفصيل أحوال السالكين والمتنكبين، فلما تقرر هذا كله أتبع المجموع بقوله‏:‏ ‏{‏كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير‏}‏ وتأمل مناسبة الإتيان بهذين الاسمين الكريمين وهما ‏{‏الحكيم الخبير‏}‏ ثم تأمل تلاؤم صدر السورة بقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم‏}‏ ‏[‏سورة يونس، آية‏:‏ 108‏]‏ وقد كان تقدم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد جاءتكم موعظة من ربكم‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 57‏]‏ فأتبع قوله‏:‏ ‏{‏قد جاءكم الحق من ربكم‏}‏ بقوله في صدر سورة هود ‏{‏كتاب أحكمت آياته ثم فصلت‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 41‏]‏ فكأنه في معرض بيان الحق والموعظة، وإذا كانت محكمة مفصلة فحق لها أن تكون شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، وحق توبيخهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 39‏]‏ والعجب في عمههم مع إحكامه وتفصيله ولكن ‏{‏الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 96‏]‏ وتأمل قوله سبحانه آخر هذه السورة ‏{‏وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 120‏]‏، و‏{‏جاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 120‏]‏ فكل الكتاب حق وموعظة وذكرى، وإنما الإشارة- والله أعلم- بما أراد إلى ما تقرر الإيماء إليه من كمال بيان الصراط المستقيم وملتزمات متبعيه أخذاً وتركاً، وذكر أحوال المتنكبين على شتى طرقهم، واختلاف أهوائهم وغاياتهم وشرُّهم إبليس فإنه متبعهم والقائل لجميعهم في إخبار الله تعالى ‏{‏إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 22‏]‏ وقد بسط من أمره وقصته في البقرة والأعراف ما يسر على المؤمنين الحذر منه وعرفهم به وذكر اليهود والنصارى والمشركون والصابئون والمنافقون وغيرهم، وفصل مرتكب كل فريق منهم كما استوعب ذكر أهل الصراط المستقيم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وفصل أحوالهم ابتداء وانتهاء والتزاماً وتركاً ما أوضح طريقهم، وعين حزبهم وفريقهم ‏{‏أولئك الذين هدى الله‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 90‏]‏ وذكر أحوال الأمم مع أنبيائهم وأخذ كل من الأمم بذنبه مفصلاً، وذكر ابتداء الخلق في قصة آدم عليه السلام وحال الملائكة في التسليم والإذعان وذكر فريق الجن من مؤمن وكافر وأمر الآخرة وانتهاء حال الخلائق واستقرارهم الأخروي وتكرير دعاء الخلق إلى الله تعالى طمعاً فيه ورحمة وإعلام الخلق بما هو علبه سبحانه وما يجب له من الصفات العلى والأسماء الحسنى، ونبه العباد على الاعتبار وعملوا طرق الاستدلال ورغبوا ورهبوا وبشروا وأنذروا وأعلموا بافتقار المخلوقات بجملتها إليه سبحانه كما هو المتفرد بخلقهم إلى ما تخلل ذلك مما يعجز الخلائق عن حصره والإحاطة به

‏{‏والله يقول الحق وهو يهدي السبيل‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 4‏]‏ فما تقدم هذا كله في السبع الطوال وما تلاها‏.‏ أعقب ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 1‏]‏ ثم أتبع هذا بالإيماء إلى فصول ثلاثة عليها مدار آي كتب، وهي فصل الإلهية، وفصل الرسالة، وفصل التاكليف، أما الأول فأشار إليه قوله‏:‏ ‏{‏ألا تعبدوا إلا الله‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 2‏]‏ وأما فصل الرسالة فأشار إليه قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إنني لكم منه نذير وبشير‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 2‏]‏ وأما فصل التالكيف فأشار إليه قوله سبحانه ‏{‏وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 3‏]‏‏.‏ وهذه الفصول الثلاثة هي التي تدور عليها آي القرآن وعليها مدار السورة الكريمة، فلما حصل استيفاء ذلك كله فيما تقدم ولم يبق وجه شبهة للمعاند ولا تعلق للجاحد واتضح الحق وبان قال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏وجاءك في هذه الحق‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 120‏]‏ إشارة إلى كمال المقصود وبيان المطلوب واستيفاء التعريف بوضوح الطريق وقد وضح من هذا تلاء السورة الكريمة لما تقدمها، ومما يشهد لهذا- والله أعلم- قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 17‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 112‏]‏ فقد وضح طريقك وفاز بالفلاح حزبك وفريقك ‏{‏ولا تركنوا إلى الذين ظلموا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 113‏]‏ فقد عرفتم سبيلهم ومصيرهم فقد بان طريق الحق، وكيف ينكب من جزم سلوكه من الخلق‏!‏ ونظيره قوله سبحانه ‏{‏وجاءك في هذه الحق‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 120‏]‏ عقب ما ذكر سبحانه ‏{‏لمن الملك اليوم‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 16‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 19‏]‏ فتأمل ذلك والله المستعان- انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 6‏]‏

‏{‏إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏4‏)‏ أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏5‏)‏ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ‏(‏6‏)‏‏}‏

ولما خوف المنذرون باليوم الكبير كانوا كأنهم قالوا‏:‏ ما هذا اليوم‏؟‏ فكان الجواب‏:‏ يوم يرجعون إليه، ولما كانوا ربما حملوا الرجوع على مجرد الموت والصيرورة تراباً، نبههم على أنه بغير المعنى الذي يتوهمه بل بمعنى إعادتهم كما كانوا فقال‏:‏ ‏{‏إلى الله‏}‏ أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً وحده ‏{‏مرجعكم‏}‏ أي رجوعكم ووقته ومكانه لأجل الحساب لا إلى التراب ولا غيره، وهو بكل شيء عليم، ومنه بدؤكم لأخذ الزاد للمعاد، وجعل فاصلة الآية حكماً على المراد فقال‏:‏ ‏{‏وهو‏}‏ أي وحده ‏{‏على كل شيء‏}‏ أي ممكن ‏{‏قدير*‏}‏ أي بالغ القدرة لأنهم يقرون بقدرته على أشياء هي أعظم من الإعادة، فهو قادر على الإعادة كما قدر على البداءة، فالآية من الاحتباك‏:‏ ذكر المرجع أولاً دليلاً على المبدأ ثانياً، وتمام القدرة ثانياً دليلاً على تمام العلم أولاً لأنهما متلازمان‏.‏

ولما تقدم من التخويف والإطماع ما هو مظنة لإقبالهم ورهبهم على التولي بخصوصه، فكان موضع أن يقال‏:‏ هل أقبلوا‏؟‏ فقيل‏:‏ لا قال مبيناً أن التولي باطناً كالتوالي ظاهراً لأن الباطن هو العمدة، مؤكداً لأنه امر لا يكاد أن يصدق، والتأكيد أقعد في تبكيتهم‏:‏ ‏{‏ألا إنهم‏}‏ أي الكفار المعاندين ‏{‏يثنون صدورهم‏}‏ أي يطوونها وينحرفون عن الحق على غل من غيرِ إقبال لأن من أقبل على الشيء عليه بصدره ‏{‏ليستخفوا منه‏}‏ أي يريدون أن يوجدوا إخفاء سرهم على غاية ما يكون من أمره‏.‏ فإن كان مرادهم بالثني الاستتار من الله تعالى فالأمر في عود الضمير إليه سبحانه واضح، وإن كان من النبي صلى الله عليه وسلم فالاستخفاء منه استخفاء ممن أرسله، ثم أعلم أن ذلك غير مغن عنهم لأنه يعلم سرهم وعلنهم في أخفى أحوالهم عندهم، وهو حين استغشاهم ثيابهم، فيغطون الوجوه التي تستقر عن بعض ما في القلوب للمتوسمين فقال‏:‏ ‏{‏ألا حين يستغشون ثيابهم‏}‏ أي يوجدون غشيانها أي تغطيتها لرؤوسهم، لاستخفاء كراهية لسماع كلام الله وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم ‏{‏يعلم ما يسرون‏}‏ أي يوقعون إسراره في أيّ وقت كان ومن أيّ نوع كان من غير بطء لتدبر أو تأمل، ولما لم يكن بين علم السر والعلن ملازمة لاختصاص العلن بما يكون لغيبة أو اختلاف بأصوات ولفظ أو اختلاف لغة ونحو ذلك قال تصريحاً‏:‏ ‏{‏وما يعلنون‏}‏ أي يوقعون إعلانه لا تفاوت في علمه بين إسرار وإعلان، فلا وجه لاستخفائهم نفاقاً، فإن سوق نفاقهم غير نافق عنده سبحانه‏.‏ ثم علله بما هو أدق من ذلك كله مع شموله للنوعين فقال‏:‏ ‏{‏إنه عليم‏}‏ أي بالغ العلم جداً ‏{‏بذات الصدور*‏}‏ أي بضمائر قلوبهم التي في دواخل صدورهم التي يثنونها من قبل أن يقع لهم إضمارها، بل من قبل أن يخلقهم؛ وأصل الثني العطف، ومنه الاثنان- لعطف أحدهما على الآخر، والثناء- لعطف المناقب في المدح‏.‏

ولهذا لما قال العبد في الفاتحة ‏{‏الرحمن الرحيم‏}‏ بعد الحمد قال الله تعالى‏:‏ أثنى عليّ عبدي- كما في حديث «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» والاستثناء- لعطف الثاني على الأول بالاستخراج منه؛ والاستخفاء‏:‏ طلب خفاء الشيء‏:‏ ثم أتبع ذلك بما يدل على شمول العلم والقدرة معاً فقال‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ وأغرق في العموم بقوله‏:‏ ‏{‏من دآبة‏}‏ ودل على أن الانتفاع بالأموال مخصوص بأهل العالم السفلي بقوله‏:‏ ‏{‏في الأرض‏}‏ أي صغرت أو كبرت ‏{‏إلا على الله‏}‏ أي الملك الأعلى الذي، له الإحاطة وحده لا على غيره ‏{‏رزقها‏}‏ أي قوتها وما تنتفع وتعيش به بمقتضى ما أوجبه على نفسه، تحقيقاً لوصوله وحملاً على التوكل فيه، لأن الإفصال على كل نفس بما لا تعيش إلا به ولا يلائمها إلا هو مدة حياتها أدق مما مضى في العلم مع تضمنه لتمام القدرة، والآية مع ذلك ناظرة إلى ترغيب آية ‏{‏وأن استغفروا ربكم‏}‏ فالمراد‏:‏ أخلصوا العبادة له ولا تفتروا عن عبادته للاشتغال بالرزق فإنه ضمنه لكم وهو عالم بكل نفس فلا تخشوا من أنه ينسى أحداً، وقال‏:‏ ‏{‏وفي الأرض‏}‏ ليعم ما يمشي على وجهها وما في أطباقها من الديدان ونحوها مما لا يعلمه إلا هو، لقد شاهدت داخل حصاة من شاطئ بحر قبرس شديدة الصلابة كأنها العقيق الأبيض دودة عندها ما تأكل، وأخبرني الفاضل عز الدين محمد بن أحمد التكروري الكتبي أنه شاهد غير مرة في دواخل حجارة تقطع من جبل مصر الدود عنده ما يأكل من الحشيش الأخضر وما يشرب من الماء؛ ونبه بقوله‏:‏ ‏{‏ويعلم مستقرها‏}‏ أي مكانها الذي تستقر فيه ‏{‏ومستودعها‏}‏ أي موضعها الذي تودع فيه قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة او بعده من قبر أو فلاة أو غير ذلك على ما يحيط به علمه من تفاصيل السكنات والحركات ما كان منها وما يكون من كل ذلك مما يحير الفكر ويدهش الألباب، ثم جعل فاصلة الآية ما هو في غاية العظمة عند الحق وهو ‏{‏كل‏}‏ أي من ذلك ‏{‏في كتاب مبين*‏}‏ فإنه ليس كل ما يعلمه العبد يقدر على كتابته ولا كل ما يكتبه يكون مبيناً بحيث إنه كلما أراد الكشف منه وجد ما يريده، وإذا وجده كان مفهماً له؛ والدابة‏:‏ الحي الذي من شأنه الدبيب؛ والمستقر‏:‏ الموضع الذي يقر فيه الشيء، وهو قراره ومكانه الذي يأوي إليه؛ والمستودع‏:‏ المعنى المجعول في قراره كالولد الذي يكون في البطن والنطفة التي في الظهر، وقد جعل سبحانه في كتابه ما ذكر حكماً منها ما للملائكة فيه من العبرة عند المقابلة بما يكون من الأمور المكتوبة قبل وجودها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 8‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏7‏)‏ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

ولما كان خلق ما منه الرزق أعظم من خلق الرزق وتوزيعه في شمول العلم والقدرة معاً، تلاه بقوله‏:‏ ‏{‏وهو‏}‏ أي وحده ‏{‏الذي خلق‏}‏ أي أوجد وقدر ‏{‏السماوات والأرض‏}‏ وحده لم يشركه في ذلك أحد كما أنتم معترفون ‏{‏في ستة أيام‏}‏ ولما كان خلق العرش أعظم من ذلك كله فإن جميع السماوات والأرض بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة‏.‏ وأعظم من ذلك أن يكون محمولاً على الماء الذي لا يمكن حمله في العادة إلا في وعاء ضابط محكم، تلاه بقوله‏:‏ ‏{‏وكان‏}‏ أي قبل خلقه لذلك ‏{‏عرشه‏}‏ مستعلياً ‏{‏على الماء‏}‏ ولا يلزم من ذلك الملاصقة كما أن السماء على الأرض من غير ملاصقة‏.‏ وقد علم من هذا السياق أنه كان قبل الأرض خلق فثبت أنه وما تحته محمولان بمحض القدرة من غير سبب آخر قريب أو بعيد، فثبت بذلك أن قدرته في درجات من العظمة لا تتناهى، وهذا زيادة تفصيل لما ذكر في سورة يونس عليه السلام من أمر العرش لأن هذه السورة التفصيل ونبه بقوله تعالى معلقاً ب «خلق»‏:‏ ‏{‏ليبلوكم‏}‏ أي أنه خلق ذلك كله لكم سكناً كاملاً بمهده وسقفه من أكله وشربه وكل ما تحتاجونه فيه وما يصلحكم وما يفسدكم ومكنكم من جميع ذلك والحكمة في خلق ذلك أنه يعاملكم معاملة المختبر، ودل على شدة الاهتمام بذلك بسوقه مساق الاستفهام في قوله‏:‏ ‏{‏أيكم‏}‏ أي أيها العباد ‏{‏أحسن عملاً‏}‏ على أنه فعل هذه الأفعال الهائلة لأجل هذه الأمور التي هم لها مستهينون وبها مستهزئون، وعلق فعل البلوى عن جملة الاستفهام لما فيه من معنى العلم لأنه طريق إليه، روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «قال الله عز وجل‏:‏ أنفق أنفق عليك»، وقال‏:‏ «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال‏:‏ أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء،‏.‏ وبيده الميزان يخفض ويرفع» وفي الآية حث على محاسن الأعمال والترقي دائماً في مراتب الكمال من العلم الذي هو عمل القلب والعمل الظاهر الذي هو وظيفة الأركان‏.‏

ولما ثبت- بيده الخلق الذي هم به معترفون- القدرة على إعادته، وثبت بالابتلاء أنه لا تتم الحكمة في خلق المكلفين إلا باعادتهم ليجازي كلاًّ من المحسن والمسيء بفعاله وأنهم ما خلقوا إلا لذلك‏.‏ عجب من إنكارهم له وأكده لذلك فقال‏:‏ ‏{‏ولئن قلت‏}‏ أي لهؤلاء الذين ما خلقت هذا الخلق العظيم إلا لابتلائهم ‏{‏إنكم مبعوثون‏}‏ أي موجودون، بعثكم ثابت قطعاً لا بد منه‏.‏

ولما كان زمن البعث بعض الزمن قال‏:‏ ‏{‏من بعد الموت‏}‏ الذي هو في غاية الابتداء ‏{‏ليقولن‏}‏ أكده دلالة على العلم بالعواقب علماً من أعلام النبوة ‏{‏الذين كفروا إن‏}‏ أي ما ‏{‏هذا‏}‏ أي القول بالبعث ‏{‏إلا سحر مبين*‏}‏ أي شيء مثل السحر تخييل باطل لا حقيقة له أو خداع يصرف الناس عن الانهماك في اللذات للدخول في طاعة الأمر‏.‏

ولما كان ما تقدم عنهم من الأفعال ومضى من الأقوال مظنة لمعاجلتهم بالأخذ، وكان الواقع أنه تعالى يعاملهم بالإمهال فضلاً منه وكرماً، حكى مقالتهم في مقابلة رحمته لهم فقال‏:‏ ‏{‏ولئن أخرنا‏}‏ أي بما لنا من العظمة التي لا يفوتها شيء ‏{‏عنهم‏}‏ أي الكفار ‏{‏العذاب‏}‏ أي المتوعد به ‏{‏إلى أمة‏}‏ أي مدة من الزمان ليس فيها كدر ‏{‏معدودة‏}‏ أي محصورة الأيام أي قصيرة معلومة عندنا حتى تعد الأنفاس ‏{‏ليقولن‏}‏ على سبيل التكرار ‏{‏ما يحبسه‏}‏ أي العذاب عن الوقوع استعجلاً له تكذيباً واستهزاء، وهو تهديد لهم بأنه آتيهم عن قريب فليعتدوا لذلك‏.‏

ولما كان العاقل لا ينبغي أن يسأل عن مثل ذلك إلا بعد قدرته على الدفع، أعرض عن جوابهم وذكر لهم أنهم عاجزون عن دفاعه عند إيقاعه إعلاماً بأنهم عكسوا في السؤال، وتحقيقاً لأن ما استهزؤوا به لا حق بهم لا محالة، فقال مؤكداً لشديد إنكارهم‏:‏ ‏{‏ألا يوم‏}‏ وهو منصوب بخبر «ليس» الدال على جواز تقدم الخبر ‏{‏يأتيهم ليس‏}‏ أي العذاب ‏{‏مصروفاً عنهم‏}‏ أي بوجه من الوجوه؛ وقدم الماضي موضع المستقبل تحقيقاً ومبالغة في التهديد فقال‏:‏ ‏{‏وحاق بهم‏}‏ أي أدركهم إذ ذاك على سبيل الإحاطة ‏{‏ما كانوا‏}‏ أي بجبلاتهم وسيئ طبائعهم، وقدم الظرف إشارة إلى شدة إقبالهم على الهزء به حتى كأنهم لا يهزؤون بغيره فقال‏:‏ ‏{‏به‏}‏ ولما كان استعجالهم استهزاء، وضع موضع يستعجلون قوله‏:‏ ‏{‏يستهزءون‏}‏ أي يوجدون الهزء به إيجاداً عظيماً حتى كأنهم يطلبون ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 12‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ‏(‏9‏)‏ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ‏(‏10‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ‏(‏11‏)‏ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ‏(‏12‏)‏‏}‏

ولما كان قولهم ذلك ناشئاً عن طبع الإنسان على الوقوف مع الحالة الراهنة والعمى عن الاستضاءة بنور العقل فيما يزيلها في العاقبة، بين ذلك ليعلم أن طبعه مناف لما تضمنه مقصود السورة من الإحكام الذي هو ثمرة العلم‏.‏ وبعلم ذلك يعلم مقدار نعمته على من حفظه على ما فطره عليه من أحسن تقويم بقوله مؤكداً لأن كل أحد ينكر أن يكون طبعه كذلك‏:‏ ‏{‏ولئن أذقنا‏}‏ أي بما لنا من العظمة ‏{‏الإنسان‏}‏ أي هذا النوع المستأنس بنفسه؛ ولما كان من أقبح الخلال استملاك المستعار‏.‏ وكانت النعم عواري من الله يمنحها من شاء من عباده، قدم الصلة دليلاً على العارية فقال‏:‏ ‏{‏منا رحمة‏}‏ أي نعمة فضلاً منا عليه لا بحوله ولا بقوته من جهة لا يرجوها بما دلت عليه أداة الشك ومكناه من التلذذ بها تمكين الذائق من المذوق ‏{‏ثم نزعناها‏}‏ أي بما لنا من العظمة وإن كره ذلك ‏{‏منه‏}‏ أخذاً لحقنا ‏{‏إنه ليئوس‏}‏ أي شديد اليأس من أن يعود له مثلها ‏{‏كفور*‏}‏ أي عظيم الستر لما سلفه له من الإكرام لأن شأنه ذلك وخلقه إلا من رحم ربك ‏{‏ولئن أذقناه نعماء‏}‏ من فضلنا‏.‏

ولما كان استملاكه العارية طبعاً له، لا ينفك عنه إلا بمعونة شديد من الله‏.‏ دل عليه بما أفهم أنه لو كان طول عمره في الضر ثم نال حالة يرضاها عقب زمن الضر سواء بادر إلى اعتقاد أنها هي الحالة الأصلية له وأنها لا تفارقه أصلاً ولا يشوبها نوع ضرر ولا يخالط صفوها شيء من كدر‏.‏ فقال دالاًّ على اتصال زمن الضر بالقول بنزع الخافض من الظرف‏:‏ ‏{‏بعد ضراء‏}‏ أي فقر شديد مضر ببدنه، ولم يسند المس إليه سبحانه كما فعل في النعماء تعليماً للأدب فقال‏:‏ ‏{‏مسته‏}‏ أي بما كسبت يداه ‏{‏ليقولن‏}‏ مع قرب عهده بالضراء خفة وطيشاً ‏{‏ذهب السيِّئات‏}‏ أي كل ما يسوءني ‏{‏عني‏}‏ وقوله ‏{‏إنه‏}‏ الضمير فيه للإنسان، المعنى أن الإنسان‏.‏ فهي كلية مشهورة بمستغرق، أي أن كل إنسان ‏{‏لفرح فخور‏}‏ أي خارج عن الحد في فرحه شديد الإفراط في فخره على غيره بكل نعمة تفضل الله عليه بها‏.‏ لا يملك ضر نفسه ومنعها من ذلك فلذا اتصل بها قوله مستثنياً من الإنسان المراد به اسم الجنس‏:‏ ‏{‏إلا الذين صبروا‏}‏ في وقت الشدائد وزوال النعم رجاء لمولاهم وحسن ظن به بسبب إيمانهم الموجب لتقيدهم بالشرع ‏{‏وعملوا الصالحات‏}‏ أي من أقوال الشكر وأفعاله عند حلول النعم، فهم دائماً مشغولون بمولاهم شكراً وصبراً، وهم الذين أتم عليهم سبحانه نعمه، وخلقهم في أحسن تقويم‏.‏ وهم أقل من القليل لعظيم جهادهم لنفوسهم فيما جبلت عليه من الحظوظ والشهوات وغيرها وشياطينهم‏.‏

ولما كان كأنه قيل‏:‏ فما لهم لم يكونوا كذلك‏!‏ أنتج السياق مدحهم فقال‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي العالو المراتب ‏{‏لهم مغفرة‏}‏ إذا وقعت منهم هفوة ‏{‏وأجر كبير*‏}‏ على صبرهم وشكرهم؛ والذوق‏:‏ تناول الشيء بالفم لإدراك الطعم كما أن الشم ملابسة الشيء الأنف لإدراك الرائحة؛ والنزع‏:‏ رفع الشيء عن غيره مما كان مشابكاً له كالقلع والقشط؛ واليأس‏:‏ القطع بأن الشيء لا يكون، وهو ضد الرجاء، ويؤوس‏:‏ كثير اليأس، وهو ذم لأنه للجهل بسعة الرحمة الموجبة لقوة الأمل في كل ما يجوز في الحكمة فعله؛ والنعماء‏:‏ إنعام يظهر أثره على صاحبه، كما أن الضراء مضرة تظهر الحال بها، لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة من حمراء وعوراء مع ما في مفهومها من المبالغة؛ والسيئة‏:‏ ما يسوء من جهة نفور طبع أو عقل، وهي هنا المرض والفقر ونحوه؛ والفرح‏:‏ انفتاح القلب بما يلتذ به؛ وعبارة البغوي‏:‏ هو لذة في القلب بنيل المشتهى وهو أعظم من ملاذ الحواس؛ والفخر‏:‏ التطاول بتعديد المناقب؛ والصبر‏:‏ حبس النفس عن المشتهى من المحارم ونحوها، والصبر على مر الحق يؤدي إلى الفوز في الآخرة مع ما فيه من جمال في الدنيا؛ والكبير واحد يقصر مقدار غيره عنه؛ والكثير‏:‏ جمع يزيد على عدد غيره‏.‏

ولما استثنى سبحانه من الجارين مع الطبع الطائشين في الهوى من تحلى برزانة الصبر الناشئ عن وقار العلم المثمر لصالح العمل، وكان صلى الله عليه وسلم رأس الصابرين، وكان ما مضى من أقوالهم وأفعالهم مثل قولهم ‏{‏ما يحبسه‏}‏ وتثنيهم صدورهم أسباباً لضيق صدره صلى الله عليه وسلم، فربما كانت مظنة لرجائهم تركه صلى الله عليه وسلم بعض ما يوحى إليه من عيب آلهتهم وتضليل آبائهم وتسفيه أحلامهم، وغير ذلك مما يشق عليهم طمعاً في إقبالهم أو خوفاً من إدبارهم فإنهم كانوا يقولون‏:‏ ما نراه يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكرنا به من الشر، قال تعالى مسبباً عن ذلك ناهياً في صيغة الخبر‏:‏ ‏{‏فلعلك تارك‏}‏ أي إشفاقاً أو طمعاً ‏{‏بعض ما‏}‏ ولما كان الموحى قد صار معلوماً لهم وإن نازعوا فيه بنى للمفعول قوله‏:‏ ‏{‏يوحى إليك‏}‏ كالإنذار وتسفيه أحلام آبائهم ‏{‏وضآئق به‏}‏ أي بذلك البعض ‏{‏صدرك‏}‏ مخافة ردهم له إذا بلغته لهم؛ ثم علل ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏أن‏}‏ أي مخافة أو لأجل أن ‏{‏يقولوا‏}‏ تعنتاً ومغالبة إذ لو كانوا مسترشدين لكفتهم آية واحدة ‏{‏لولا‏}‏ أي هلا ولم لا ‏{‏أنزل عليه كنز‏}‏ يستغني به ويتفرغ لما يريد، وبنوه للمفعول لأن المقصود مطلق حصوله وكانوا يتهاونون بالقرآن لعلمهم أنه الآية العظمى فكانوا لا يعدونه آية عناداً ومكابرة ‏{‏أو جاء معه ملك‏}‏ أي ليؤيد كلامه وليشهد له، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بمثل أقوالهم هذه ويثقل عليه أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه فحركه الله بهذا لأداء الرسالة كائناً فيها ما كان، فكان المعنى‏:‏ فإذا تقرر أن الإنسان مطبوع على نحو هذا من التقلبات، فلا تكن موضع رجائهم في أن تكون تاركاً ما يغيظهم مما نأمرك به، بل كن من الصابرين؛ قال أهل السير‏:‏ فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه إلا من عصمه الله؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أم المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ائتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا‏.‏

ولما أفهم هذا السياق الإنكار لما يفتر عن الإنذار، كان كأنه قيل له‏:‏ هذا الرجاء المرجو منكر، والمقصود الأعظم من الرسالة النذارة لأنها هي الشاقة على النفوس، وأما البشارة فكل من قام يقدر على إبلاغها فلذا قال‏:‏ ‏{‏إنما أنت نذير‏}‏ فبلغهم ما أرسلت به فيقولون لك ما يقدره الله لهم فلا يهمنك فليس عليك إلا البلاغ وما أنت عليهم بوكيل تتوصل إلى ردهم إلى الطاعة بالقهر والغلبة بل الوكيل الله الفاعل لما يشاء ‏{‏والله‏}‏ أي الذي له الإحاطة الكاملة‏.‏

ولما كان السياق لإحاطته سبحانه، قدم قوله‏:‏ ‏{‏على كل شيء‏}‏ منهم ومن غيرهم ومن قبولهم وردهم ومن حفظك منهم ومن غيره ‏{‏وكيل*‏}‏ فهو يدبر الأمور على ما يعلمه من الحكم، فإنشاء جاء بما سألوا وإن لم يشأ لم يأت به ولا اعتراض عليه فتوكل عليه في كل أمر وإن صعب، ولعله اقتصر على النذارة لأن المقام يقتضيها من أجل أنهم أهل لها وأنها هي التي يطعمون في تركها بإطماعهم في المؤالفة بالإعراض عما يوجب المخالفة؛ والصدر‏:‏ مسكن القلب، يشبه به رئيس القوم والعالي المجلس لشرف منزلته على غيره من الناس؛ والكنز‏:‏ المدفون، وقد صار في الدين صفة ذم لكل مال لم يخرج منه الواجب من الزكاة وإن لم يكن مدفوناً، والآية من الاحتباك‏:‏ نفي أولاً قدرته صلى الله عليه وسلم على الإتيان بما سألوا دليلاً على قدرة مرسله على ذلك وغيره ثانياً‏.‏ وأثبت الوكالة ثانياً دليلاً على نفيها أولاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 15‏]‏

‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏13‏)‏ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏14‏)‏ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

ولما كانوا ذوو الهمم العوال، لا يصوبون إلى الكنوز والأموال، وكان الملك إنما يراد لتطييب النفس بتثبيت الأمر‏.‏ وكان فيما يشهد به إعجاز القرآن ببديع نظمه وباهر حكمه وحكمه وزاجر غرائبه ووافر علمه ما يغني عن ذلك، وكان في كل آية منه ما يبين للفهم سفساف قدحهم في الرسالة، كان موضع الإنكار له، فكان كأنه قيل‏:‏ أيقولون ذلك تعنتاً منهم واقتراحاً وإعراضاً عن معجز القرآن فأعرض عنه فإنه لا يضر في وجه الدليل ‏{‏أم يقولون‏}‏ أي مكررين ‏{‏افتراه‏}‏ فكان ذلك موضع أن يقال‏:‏ نعم، إنهم ليقولون ذلك فيقدحون في الدليل فماذا يقال لهم‏؟‏ فقيل‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ أي لهم على سبيل التنزل ‏{‏فأتوا‏}‏ يا معاشر العرب فإنكم مثلي في العربية واللسان والمولد والزمن وفيكم من يزيد عليَّ بالكتابة والقراءة ومخالطة العلماء والتعلم من الحكماء ونظم الشعر واصطناع الخطب والنثر وتكلف الأمثال وكل ما يكسب الشرف والفخر ‏{‏بعشر سور‏}‏ أي قطع، كل قطعة منها تحيط بمعنى تام يستدل فيها عليه ‏{‏مثله‏}‏ أي تكون العشر مثل جميع القرآن في طوله وفي مثل احتوائه على أساليب البلاغة وأفانين العذوبة والمتانة والفحولة والرشاقة حال كونها ‏{‏مفتريات‏}‏ أي أنكم قد عجزتم عن الإتيان بسورة أي قطعة واحدة آية أو آيات من مثله فيما هو عليه من البلاغة والإخبار بالمغيبات والحكم والأحكام والوعد والوعيد والأمثال وادعيتم مكابرة أنه مفترى فارغ عن الحكم فأتوا بعشر مثله في مجرد البلاغة غير ملزمين بحقائق المعاني وصحة المباني- ذكره البغوي عن المبرد، وقد مضى في البقرة عند ‏{‏فأتوا بسورة من مثله‏}‏ عن الجاحظ وغيره ما يؤيده؛ قال أبو حيان‏:‏ وشأن من يريد تعجيز شخص أن يطالبه أولاً بأن يفعل أمثالاً مما يفعل هو، ثم إذا تبين عجزه قال‏:‏ افعل مثلاً واحداً- انتهى‏.‏ فكأنهم تحدوا أولاً بجميع القرآن في مثل قوله‏:‏ ‏{‏فليأتوا بحديث مثله‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 34‏]‏ أي في التحتم والتطبيق على الوقائع وما يحدث ويتجدد شيئاً في إثر شيء ثم قطع بعد عجزهم بدوام عجزهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لو اجتمعت الإنس والجن‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 88‏]‏ تبكيتاً لهم وإخزاء وبعثاً على ذلك وإغراء، ثم تحدوا في سورة يونس عليه السلام بسورة واحدة مثل جميع القرآن غير معتنين فيها بالتفصيل إلى السور تخفيفاً عليهم واستهانة بأمرهم، فلما عجزوا تحدوا بعشر مفتراه، ولما خفف عنهم التقيد بصدق المعنى وحقيقة المباني، ألزمهم بما خففه عنهم في يونس من التفصيل ولم يخلهم من التخفيف إشارة إلى هوان أمرهم واحتقار شأنهم بأن جعلها إلى عشر فقط، فلما عجزوا أعيد في المدينة الشريفة لأجل أهل الكتاب تحديهم بسورة، أي قطعة واحدة مقروناً ذلك بالإخبار بدوام عجزهم عن ذلك في قوله تعالى في البقرة

‏{‏فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 24‏]‏، فالمتحدى به في كل سورة غير المتحدى به في الأخرى، وقد مضى في يونس والبقرة ويأتي في سبحان والطور إنشاء الله تعالى ما يتم به فهم هذا المقام، والبلاغة ثلاث طبقات فأعلاها معجز، وأوسطها وأدناها ممكن، والتحدي وقع بالعليا، وليس هذا أمراً بالافتراء لأنه تحدّ فهو للتعجيز وقوله‏:‏ ‏{‏وادعوا من استطعتم‏}‏ أي طلبتم أن يطيعكم ففعل، ولما كانت الرتب كلها تحت رتبته تعالى والعرب مقرة بذلك قال‏:‏ ‏{‏من دون الله‏}‏ أي الملك الأعلى‏.‏ وأشار إلى عجزهم بقوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم صادقين*‏}‏ وفي ذلك زيادة بيان وتثبيت للدليل، فإن كل ظهير من سواهم دونهم في البلاغة، فعجزهم عجز لغيرهم بطريق الأولى‏.‏

ولما كان أدنى درجات الافتراء إتيان الإنسان بكلام غيره من غير علمه، وكان عجزهم عن المعارضة دليلاً قاطعاً على أنهم لم يصلوا إلى شيء من كلامه تعالى بغير علمه ولا وجدوا مكافئاً له يأتيهم بمثله ثبت قطعاً أن هذا القرآن غير مفترى، فقال تعالى مخاطباً للجميع بخلاف ما في القصص إشارة إلى وضوح الأمر لا سيما في الافتراء عند كل أحد وأن المشركين قد وصلوا من ذل التبكيت بالتحدي مرة بعد مرة وزورهم لأنفسهم في ذلك المضمار كرة في أثر كرة إلى حد من العجز لا يقدرون معه على النطق في ذلك ببنت شفة‏:‏ ‏{‏فإن لم يستجيبوا لكم‏}‏ أي يطلبوا إجابتكم ويوجدوها ‏{‏فاعلموا‏}‏ أيها الناس كافة ‏{‏أنما أنزل‏}‏ أي ما وقع إنزال هذا القرآن خاصة إلا ملتبساً ‏{‏بعلم الله‏}‏ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً بمقتضى أن محمداً واحد منهم تمع العادة أن يعثر دون جميع أهل الأرض على ما لم يأذن فيه ربه من كلامه فضلاً عن أن يكون مخترعاً له، ويجوز أن يكون ضمير ‏{‏يستجيبوا‏}‏ ل «من» ‏{‏من استطعتم‏}‏ و‏{‏لكم‏}‏ للمشركين، وكذا في قوله‏:‏ فاعلموا و‏{‏أنتم‏}‏ ‏{‏وأن‏}‏ أي واعلموا أن ‏{‏لا إله إلا هو‏}‏ فإنه لو كان معه إله آخر لكافأة في الإتيان بمثل كلامه وفيه تهديد وإقناط من أن يجيرهم من بأس الله آلهتهم‏.‏

ولما كان هذا دليلاً قطعياً على ثبوت القرآن، سبب عنه قوله مرغباً مرهباً‏:‏ ‏{‏فهل أنتم مسلمون*‏}‏ أي منقادون أتم انقياد‏.‏

ولما كان في هذا من الحث على الثبات على الإسلام والدخول فيه والوعيد على التقاعس عنه ما من حق السامع أن يبادر إليه، وكان حق المسلم الإعراض عن الدنيا لسوء عاقبتها، وكان أعظم الموانع للمشركين من التصديق اسستيلاء أحوال الدنيا عليهم، ولذلك تعنتوا بالكنز، أشار إلى عواقب ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏من كان يريد‏}‏ أي بقصده وأعماله من الإحسان إلى الناس وغيره ‏{‏الحياة الدنيا‏}‏ أي ورضي بها مع دناءتها من الآخرة على علوها وشرفها ‏{‏وزينتها‏}‏ فأخلد إليها لحضورها ونسي ما يوجب الإعراض عنها من فنائها وكدرها ‏{‏نوف‏}‏ موصلين ‏{‏إليهم أعمالهم‏}‏ أي جزاءها ‏{‏فيها‏}‏ أي الدنيا بالجاه والمال ونحو ذلك ‏{‏وهم فيها‏}‏ أي في الأعمال أو الدنيا ‏{‏لا يبخسون*‏}‏ أي لا ينقص شيء من جزائهم فيها، وأما أبدانهم وأرواحهم وأديانهم فكلها بخس في الدارين معاً، وفي الجملتين بيان سبب حبس العذاب عنهم في مدة إمهالهم مع سوء أعمالهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 19‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏16‏)‏ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏17‏)‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ‏(‏18‏)‏ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

ولما بين حالهم في الدنيا، بين حالهم في الأخرى مشيراً بأداة البعد إلى أنهم أهل البعد واللعنة والطرد في قوله نتيجة لما قبله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي البعداء البغضاء ‏{‏الذين ليس لهم‏}‏ أي شيء من الأشياء ‏{‏في الآخرة إلا النار‏}‏ أي لسوء أعمالهم واستيفائهم جزاءها في الدنيا ‏{‏وحبط‏}‏ أي بطل وفسد ‏{‏ما صنعوا فيها‏}‏ أي مصنوعهم أو صنعهم أي لبنائه على غير أساس؛ ولما كان تقييد الحبوط بالآخرة ربما أوهم أنه شيء في نفسه قال‏:‏ ‏{‏وباطل‏}‏ أي ثابت البطلان في كل من الدارين ‏{‏ما كانوا يعملون*‏}‏ أي معمولهم أو عملهم وإن دأبوا فيه دأب من هو مطبوع عليه لأنه صورة لا معنى لها لبنائه على غير أساس؛ والزينة‏:‏ تحسين الشيء بغيره من لبسه أو حلية أو هيئة؛ والتوفية‏:‏ تأدية الحق على تمام؛ وحبوط العمل‏:‏ بطلانه، من قولهم‏:‏ حبط بطنه- إذا فسد بالمأكل الرديء‏.‏

ولما اتضحت الحجج وانتهضت الدلائل فأغرقتهم عوالي اللجج، كان ذلك موضع الإنكار على من يسوي بين المهتدي والمعتدي، فكيف يفضل إما باعتبار النظر إلى الرئاسة الدنيوية غفلة من حقائق الأمور أو عناداً كمن قال من اليهود للمشركين‏:‏ أنتم أهدى منهم، فقال‏:‏ ‏{‏أفمن كان على بينة‏}‏ أي برهان وحجة ‏{‏من ربه‏}‏ بما آتاه من نور البصيرة وصفاء العقل فهو يريد الآخرة ويبني أفعاله على أساس ثابت ‏{‏ويتلوه‏}‏ أي ويتبع هذه البينة ‏{‏شاهد‏}‏ هو القرآن ‏{‏منه‏}‏ أي من ربه، أو تأيد ذلك البرهان برسالة رسول عربي بكلام معجز وكان ‏{‏من قبله‏}‏ أي هذا الشاهد مؤيداً له ‏{‏كتاب موسى‏}‏ أي شاهد أيضاً وهو التوارة حال كونه ‏{‏إماماً‏}‏ يحق الاقتداء به ‏{‏ورحمة‏}‏ أي لكل من اتبعه‏.‏

ولما كان الجواب ظاهراً حذفه، وتقديره- والله أعلم‏:‏ كمن هو على الضلالة فهو يريد الدنيا فهو يفعل من المكارم ما ليس مبنياً على أساس صحيح، فيكون في دار البقاء والسعادة هباء منثوراً؛ ولما كان هذا الذي على البينة عظيماً، ولم يكن يراد به واحداً بعينه، استأنف البيان لعلو مقامه بأداة الجمع بشارة لهذا النبي الكريم بكثرة أمته فقال‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي العالو الرتبة بكونهم على هدى من ربهم وتأيد هداهم بشاهد من قبله وشاهد من بعده مصدق له ‏{‏يؤمنون به‏}‏ أي بهذا القرآن الذي هو الشاهد ولا ينسبون الآتي به إلى أنه افتراه ‏{‏ومن يكفر به‏}‏ أي بهذا الشاهد ‏{‏من الأحزاب‏}‏ من جميع الفرق وأهل الملل سواء، سوى بين الفريقين جهلاً أو عناداً ‏{‏فالنار موعده‏}‏ أي وعيده وموضع وعيده يصلى سعيرها ويقاسي زمهريرها‏.‏

ولما عم بوعيد النار، اشتد تشوف النفس لما سبب عنه فقرب إزالة ما حملت من ذلك بالإيجاز، فاقتضى الأمر حذف نون «تَكن» فقيل‏:‏ ‏{‏فلا تكُ‏}‏ أي أيها المخاطب الأعظم ‏{‏في مرية‏}‏ أي شك عظيم ووهم ‏{‏منه‏}‏ أي من القرآن ولا يضيق صدرك عن إبلاغه، أو من الوعد الذي هو النار والخيبة وإن أنعمنا على المتوعد بذلك ونعمناه في الدنيا؛ ثم علل النهي بقوله‏:‏ ‏{‏إنه‏}‏ القرآن أو الموعد ‏{‏الحق‏}‏ أي الكامل، وزاد في الترغيب فيه بقوله‏:‏ ‏{‏من ربك‏}‏ أي المحسن إليك بانزاله عليك‏.‏

ولما كان كونه حقاً سبباً يعلق الأمل بإيمان كل من سمعه، قال‏:‏ ‏{‏ولكن أكثر الناس‏}‏ أي الذين هم في حيز الاضطراب ‏{‏لا يؤمنون‏}‏ بأنه حق لا لكون الريب يتطرق إليه بل لما على قلوبهم من الرين ويؤولون إليه من العذاب المعد لهم ممن لا يبدل القول لديه ولا ينسب الظلم إليه، والقصد بهذا الاستفهام الحث على ما حث عليه الاستفهام في قوله ‏{‏فهل أنتم مسلمون‏}‏ من الإقبال على الدين الحق على وجه مبين لسخافة عقول الممترين وركاكة آرائهم‏.‏

ولما كان الكافرون قد كذبوا على الله بما أحدثوه من الدين من غير دليل وما نسبوا إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الافتراء، أتبع ذلك سبحانه قوله‏:‏ ‏{‏ومن أظلم‏}‏ أي لا أحد أظلم ‏{‏ممن افترى‏}‏ أي تعمد أن اختلق متكبراً ‏{‏على الله‏}‏ أي الملك الأعظم ‏{‏كذباً‏}‏ الآية، وهو موضع ضمير لو أتى به لقيل‏:‏ لا يؤمنون ظلماً منهم، ومن أظلم منهم أي هم أظلم الظالمين، فأتى بهذا الظاهر بياناً لما كفروا به لأنه إذا علق الحكم بالوصف دل على أنه علته‏.‏

ولما بين أنهم أظلم، أتبعه جزاءهم بقوله استئنافاً‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ المستحقو البعد؛ ولما كان نفس العرض مخوفاً، بنى للمجهول قوله‏:‏ ‏{‏يعرضون‏}‏ أي لذلك ولدلالة على أنهم على صفة الهوان ومستسلمون لكل عارض، فعرضهم في غاية السهولة ‏{‏على ربهم‏}‏ أي الذي أحسن إليهم فلم يشكروه، العالم بالخفايا فيفتضحون بين يديه بما قابلوا به إحسانه من اللوم ‏{‏ويقول‏}‏ على سبيل التكرار ‏{‏الأشهاد‏}‏ وهم الذين آمنوا بالكتب الشاهد بعضها لبعض المشار إليه بقوله ‏{‏ويتلوه شاهد منه‏}‏ والملائكة الذين شهدوا أعمالهم ومن أعضائهم حين يختم على أفواههم ‏{‏هؤلاء‏}‏ إشارة بأداة القرب إلى تحقيرهم ‏{‏الذين كذبوا‏}‏ متكبرين ‏{‏على ربهم‏}‏ في ادعاء الشريك والولد والتحليل والتحريم وغير ذلك بما عراهم من إحسانه وطول حلمه، وفي الإتيان بصفة الربوبية غاية التشنيع عليهم، فتكررت بهذا القول فضيحتهم عند جنسهم وبعدهم عن كل من سمع هذا الكلام لأنه لا أبعد عن القلوب من الكاذب فكيف بالمجترئ بالكذب على الرؤساء فكيف بملك الملوك الذي رباهم وكل من أهل الموقف مرتقب برّه خائف من انتقامه، وكأنه قيل‏:‏ فما لهم بعد هذا العذاب العظيم بهذه الفضيحة‏؟‏ فقيل‏:‏ ‏{‏ألا لعنة الله‏}‏ وهي طرد الملك الأعظم وإبعاده، وانظر إلى تهويل الأمر باسم الذات ما أشده ‏{‏على الظالمين‏}‏ فكيف بأظلم الظالمين، ثم فصل ظلمهم بقوله‏:‏ ‏{‏الذين يصدون‏}‏ أي يعرضون في أنفسهم ويمنعون غيرهم ‏{‏عن سبيل‏}‏ أي دين ‏{‏الله‏}‏ أي الملك الذي له الكمال كله مع أنه الولي الحميد ‏{‏ويبغونها‏}‏ أي يريدون بطريق الدين الواسعة السهلة ‏{‏عوجاً‏}‏ بإلقاء الشبهات والطعن في الدلائل مع كونها في غاية الاستقامة‏.‏

ولما كان النظر شديداً إلى بيان كذبهم وتكذيبهم، بولغ في تأكيد قوله‏:‏ ‏{‏وهم‏}‏ أي بضمائرهم وظواهرهم؛ ولما كان تكذيبهم بالآخرة شديداً، قدم قوله‏:‏ ‏{‏بالآخرة‏}‏ وأعاد الضمير تأكيداً لتعيينهم وإثبات غاية الفساد لبواطنهم واختصاصهم بمزيد الكفر فقال‏:‏ ‏{‏هم كافرون‏}‏ أي عريقون في هذا الوصف؛ والعرض‏:‏ إظهار الشيء بحيث يرى للتوقيف على حالة، والصد‏:‏ المنع بالإغراء الصارف عن الأمر؛ والبغية‏:‏ طلب أمر من الأمور، وهي إرادة وجدان المعنى بما يطمه فيه؛ والعوج‏:‏ العدول عن طريق الصواب، وهو في المعنى كالدين بالكسر، وفي غيره كالعود بالفتح فرقاً بين ما يرى وما لا يرى، جعلوا السهل للسهل والصعب للصعب؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في النجوى‏:‏ «يدنى المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقرره بذنوبه‏:‏ تعرف ذنب كذا‏؟‏ يقول‏:‏ أعرف رب أعرف- مرتين، ويقول‏:‏ سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم، ثم يطوي صحيفة حسناته، وأما الآخرون أو الكفار فينادي على رؤوس الأشهاد ‏{‏هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين‏}‏»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 22‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ‏(‏20‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏21‏)‏ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

ولما هددهم بأمور الآخرة، أشار إلى بيان قدرته على ذلك في الدارين بقوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي البعداء عن حضرة الرحمة ‏{‏لم يكونوا‏}‏ أي بوجه من الوجوه ‏{‏معجزين‏}‏ وأشار إلى عجزهم بأنهم لا يقدرون على بلوغ العالم العلوي بقوله‏:‏ ‏{‏في الأرض‏}‏ أي ما كان الإعجاز- وهو الامتناع من مراد الله- لهم ولا هو في قدرتهم، لأن قدره على جميع الممكنات على حد سواء‏.‏

ولما نفى التعذر بأنفسهم، نفاه من جهة غيرهم فقال‏:‏ ‏{‏وما كان لهم‏}‏ ولما كانت الرتب التي هي دون عظمته سبحانه متكاثرة جداً، بين أنهم معزولون عن كل منها بإثبات الجار فقال‏:‏ ‏{‏من دون الله‏}‏ أي الملك الأعظم، وأغرق في النفي بقوله‏:‏ ‏{‏من أوليآء‏}‏ أي يفعلون معهم ما يفعل القريب من تولي المصالح والحماية من المصائب، ومن لم يقدر على الامتناع وهو حي لم يمتنع بعد موته فكأنه قيل‏:‏ ماذا يفعل بهم‏؟‏ فقيل‏:‏ ‏{‏يضاعف‏}‏ أي يفعل فيه فعل من يناظر آخر في الزيادة، وبناه للمفعول لأن المرجع وجود المضاعفة مطلقاً ‏{‏لهم العذاب‏}‏ أي بما كانوا يضاعفون المعاصي؛ ثم علل سبب المضاعفة بأنه خلق لهم سمعاً وبصراً فضيعوهما بتصامّهم عن الحق وتعاميهم عنه، فكأن لا فرق بينهم وبين فاقدهما فقال‏:‏ ‏{‏ما كانوا‏}‏ أي بما لهم من فساد الجبلات ‏{‏يستطيعون السمع‏}‏ أي يقدرون لما غلب على فطرهم الأولى السليمة بانقيادهم للهوى من التخلق بنقائص الشهوات على أن توجد طاعته لهم فما كانوا يسمعون ‏{‏وما كانوا‏}‏ يستطيعون، الإبصار فما كانوا ‏{‏يبصرون‏}‏ حتى يعرضوا عن الشهوات فتوجد استطاعتهم للسمع والإبصار، وهو كناية عن عدم قبولهم للحق وأن شدة إعراضهم عنه وصلت إلى حد صارت فيه توصف بعدم الاستطاعة كما يقول الإنسان لما تشتد كراهته له‏:‏ هذا مما لا أستطيع أن أسمعه، وتكون المضاعفة بالكفر والصد، ونفي الاستطاعة أعرق في العيب وأدل على النقص وأنكأ من نفي السمع لأنهم قد يحملونه على الإجابة، وأما نفي البصر فغير منفك عن النقص سواء كان للعين أو للقلب، هذا إن لم تخرج الآية على الاحتباك، وإن خرجت عليه استوى الأمران، وصار نفي الاستطاعة أولاً دالاًّ على نفيها ثانياً، ونفي الإبصار يدل على نفي السمع أولاً‏.‏

ولما ثبت أنهم لا سمع ولا بصر، ثبت أنهم لا شيء فقال‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي البعداء البغضاء ‏{‏الذين خسروآ أنفسهم‏}‏ أي بتضييع الفطرة الأولى التي هي سهولة الانقياد للخير وصعوبة الانقياد للشر؛ ولما كان العاجز ربما نفعه من كان يخدمه فيكسبه قوة بعد الضعف ونشاطاً بعد العجز، نفى ذلك بقوله عائداً إلى نفي النفع ممن عذرهم أولاً على أحسن وجه‏:‏ ‏{‏وضل عنهم ما كانوا‏}‏ أي كوناً جبلوا عليه فصاروا لا ينفكون عنه ‏{‏يفترون‏}‏ أي يتعمدون كذبه مما ادعوا كونهم آلهة، ولا شك أن من خسر نفسه ومن خسرها من أجله بادعاء أنه شريك لخالقه ونحو ذلك كان أخسر الناس، فلذلك قال‏:‏ ‏{‏لا جرم‏}‏ أي لا شك ‏{‏أنهم‏}‏ أي هؤلاء الذي بالغوا في إنكار الآخرة ‏{‏في الآخرة‏}‏ ولما كان المقام جديراً بالمبالغة في وصفهم بالخسارة، أعاد الضمير فقال‏:‏ ‏{‏هم‏}‏ أي خاصة ‏{‏الأخسرون‏}‏ أي الأكثرون خسراناً من كل من يمكن وصفه بالخسران؛ والإعجاز‏:‏ الامتناع من المراد بما لا يمكن معه إيقاعه؛ والمضاعفة‏:‏ الزيادة على المقدار بمثله أو أكثر؛ والاستطاعة‏:‏ قوة ينطاع بها الجوارح للفعل؛ وأما «لا جرم» فقد اضطرب علماء العربية في تفسيرها، قال الرضي في شرح الحاجبية والبرهان السفاقسي في إعرابه ما حاصله‏:‏ والغالب بعد ‏{‏لا جرم‏}‏ الفتح، أي في ‏{‏أن‏}‏، ف ‏{‏لا‏}‏ إما رد الكلام السابق- على ما هو مذهب الخليل- أو زائدة كما في ‏{‏لا أقسم‏}‏ لأن في جرم معنى القسم، وهي فعل ماض عند سيبويه والخليل مركبة مع «لا»، وجعلها سيبويه فعلاً بمعنى حق، ف «أن» «فاعله»، وقيل‏:‏ «جرم» بمعنى حق، وهو اسم لا و«أنهم» خبره؛ وقال الكسائي معناها‏:‏ لا صد ولا منع؛ وعن الزجاج أنها غير مركبة، ولا نفي لما قيل من أن لهم أصناماً تنفعهم، وجرم- فعل ماض بمعنى كسب وفاعله مضمر معبر به عن فعلهم، و‏{‏أنهم‏}‏ مفعولة؛ وقال الفراهي‏:‏ كلمة كانت في الأصل بمعنى لا بد ولا محالة، لأنه يروي عن العرب «لا جرم»- يعني بضم ثم سكون، والفعل- يعني هكذا، والفعل- يعني محركاً، يشتركان في المصادر كالرشد والرعد والبخل؛ والجرم‏:‏ القطع، أي لا قطع من هذا كما أنه لا بد بمعنى لا قطع، فكثرت وجرت على ذلك حتى صارت بمعنى القسم، فلذلك يجاب بما يجاب به القسم، فيقال‏:‏ لا جرم لآتينك، ولا جرم أنك قائم، فمن فتح فللنظر إلى أصل ‏{‏لا جرم‏}‏ كما نقول‏:‏ لا بد أن نفعل كذا وأنك تفعل، أي من أن ومن أنك تفعل، ومن كسر فلمعنى القسم العارض في ‏{‏لا جرم‏}‏- انتهى‏.‏

فتفسيره لها بالقطع نظر منه إلى أن مادة «جرم» بخصوصها دائرة على القطع، والأصنع تفسيرها بالظن نظراً إلى ما تدور عليه المادة من حيث هي- بأي ترتيب كان- من جرم وجمر ورجم ورمج ومجر ومرج، وإنما جعلتها كذلك لأنهم قالوا جرم النخل‏:‏ خرصها، وأجمر النخل أيضاً‏:‏ خرصها، ورجم- إذا ظن، والمجر‏:‏ العقل، ويلزم الظن اتقاد الذهن ومنه جمرة النار، والجرم- للأرض الشديدة الجر، ويلزم الظن أيضاً اجتماع الفكر، ومنه الجمرة للقلبية وكل ما شاكلها في الجمع، ومنه الجرم بالكسر وهو الجسد فإنه بالنظر إلى جميعه، والصوت أو جهارته فإنه يجمع فيه الحلق لقطعه، ويلزم الاجتماع أيضاً العظمة، ومنه أجرم- إذا عظم، والجمير كأمير‏:‏ مجتمع القوم، ومن الجمع الرياء والعقل، فينشأ منه الصفاء، ومنه ‏{‏مارج من نار‏}‏ أي لا دخان فيه، ومنه أجرم لونه‏:‏ صفا، ومن الاجتماع المجر- بالتحريك، وهو أن يملأ بطنه من الماء ولم يرو، والكسب، جرم لأهله- إذا كسب، ومنه الذنب فإنه كسب خاص، ويمكن أن يكون من القطع لأنه يقطع صاحبه عن الخير، ويلزم الاجتماع أيضاً الاستتار ومنه أجمرت الليلة- استتر فيها الهلال، والمجر لما في بطون الحوامل من الإبل والغنم، أو يجعل هذا مما يلزم نفس الظن من الخفاء، ومن الاجتماع الضمور، أجمر الخيل‏:‏ أضمرها، وشاة مجمرة‏:‏ مهزولة، ويلزم الاجتماع الصلابة والتمام، ومنه حول مجرم كمعظم‏:‏ تام، فينشأ الافتراق، ومنه تجرم الليل‏:‏ ذهب، وابنا جمير كأمير‏:‏ الليل والنهار، أو يكون ذلك من لوازم القطع كما يأتي؛ ومن الاجتماع الرجم الذي هو الخليل والنديم، ويلزم الظن الفصل بين الأشياء، ومنه جرام النخل لصرامها؛ والجمرة‏:‏ الحصاة، فيلزم مطلق الرمي فينشأ الرمي بالجمار، وهي الحجارة فينشأ القتل للمرجوم، وهو يرجع أيضاً إلى نفس القطع، فإنه قطع النفس عما كانت عليه، ويلزم الفصل القذف والعيب؛ والرماج كسحاب‏:‏ كعوب الرمح لانفصال بعضها عن بعض، والرمج بالفتح وهو إلقاء الطير ذرقه، ويلزم الظن المبالغة في النظر فتأتي المبالغة في الكلام والعزيمة، ومنه المرجام للماد عنقه في السير من الإبل، وأجمر‏:‏ أسرع في السير، وقد يلزم الظن الحيرة، ومنه حديث مرجم كمعظم‏:‏ لا يوقف على حقيقته، فيلزم حينئذٍ الذنب والفساد والقلق والاضطراب، ومنه أمرج العهد‏:‏ لم يف به، أي جعله مارجاً مزلزلاً، وعلى الاضطراب تدور مادة «مرج» بخصوص هذا الترتيب، أو الترميج‏:‏ إفساد سطور بعد كتبتها، ويلزم الظن الاختلاط، ومنه الجرم للون لأنه لا يخلو عن شوب، وأجرم الدم به‏:‏ لصق، والإجرام‏:‏ متاع الراعي، أو هي من الكسب، والجرام كرمان‏:‏ السمك؛ والمرج‏:‏ موضع الرعي، وقد علم من هذا أن جميع تصاريف المادة تدور على الاضطراب وهو بين في غير العقل، وأما فيه فإنه يقدر العقل يكون اضطراب الرأي لأن العاقل كلما أنعم النظر انفتح له ما كان مغلقاً فيعدل إليه، فإذا ظهر هذا ظهر أن معنى «لا جرم» أنهم لا ظن ولا اضطراب في أنهم، ويكون نفي الظن في مثل هذا السياق نفياً لجميع ما يقابله إلاّ العلم الذي هو بمعنى القطع كما إذا قيل‏:‏ لا شك في كذا ولا ريب، فاتضح أن تفسيرهم لها ب «حقاً» تفسير معنى لمجموع الكلمتين لأنه إذا نفي في مثل هذا السياق الظن ثبت اليقين والقطع، وإليه يرجع تفسير سيبويه لا حق لأنه يريد- والله أعلم- أن لا صلة، وموضوعها في الأصل النفي، فهي نافية لضد ما دخلت عليه، فكأنه قيل‏:‏ حق وثبت أنهم كذا وانتفى كل ما يضاده، فهذا وجه كونها صلة مؤكدة، وقريب من ذلك ما قيل في «إنما» نحو إنما زيد قائم، أي أن زيداً قائم، ما هو إلاّ كذلك، فقد بان أن النافي مثل ذلك مؤكد- والله الموفق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 27‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏23‏)‏ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏24‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏25‏)‏ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ‏(‏26‏)‏ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

ولما توعد الكافرين وأخبر عن مآلهم بسببه، كان موضع أن يسأل عن حال المؤمنين فقال‏:‏ ‏{‏إن الذين آمنوا‏}‏ أي أوجدوا هذه الحقيقة ‏{‏وعملوا الصالحات‏}‏ ولما كان الحاصل ما مضى من وصف الكافرين بعد مطلق الأعمال السيئة الإعراض عن ربهم والنفرة عن المحسن إليهم جلافة وغلظة، وصف المؤمنين بالإقبال عليه والطمأنينة إليه فقال‏:‏ ‏{‏وأخبتوا‏}‏ أي خشعوا متوجهين منقطعين ‏{‏إلى ربهم‏}‏ أي المحسن إليهم فشكروه فوفقهم لاستطاعة السمع والأبصار‏.‏

ولما ذكر وصفهم ذكر جزاءهم عليه بقوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي العالو الرتبة ‏{‏أصحاب الجنة‏}‏ ولما كانوا مختصين بها أول أو بالخلود من أول الأمر، أعاد الضمير فقال‏:‏ ‏{‏هم فيها‏}‏ أي خاصة لا في غيرها ‏{‏خالدون‏}‏‏.‏

ولما استوفى أوصاف الحزبين وجزاءهم، ضرب للكل مثلاً بقوله‏:‏ ‏{‏مثل الفريقين‏}‏ أي الكافرين والمؤمنين، وهو من باب اللف والنشر المرتب، فإن الكافر ذكر فيما قبل أولاً ‏{‏كالأعمى‏}‏ أي العام العمى في بصره وبصيرته ‏{‏والأصم‏}‏ في سمعه كذلك، فهذا للكافرين ‏{‏والبصير‏}‏ بعينه وقلبه ‏{‏والسميع‏}‏ على أتم أحوالهما، وهذا للمؤمنين، وفي أفراد المثل طباق أيضاً ‏{‏هل يستويان‏}‏ أي الفريقان ‏{‏مثلاً‏}‏ أي من جهة المثل‏.‏ ولما كان الجواب قطعاً لمن له أدنى تأمل‏:‏ لا يستويان مثلاً فلا يستويان ممثولاً، حسن تسبب الإنكار عنه في قوله‏:‏ ‏{‏أفلا تذكرون‏}‏ أي يحصل لكم أدنى تذكر بما أشار إليه الإدغام فتعلموا صدق ما وصفوا به بما ترونه من أحوالهم، وذلك ما قدم في حق الكفار من قوله‏:‏ ‏{‏ما كانوا يستطيعون السمع‏}‏ الآية؛ والإخبات‏:‏ الخشوع المستمر على استواء فيه، وأصله الاستواء من الخبت، وهو الأرص المستوية الواسعة، ولعله وصله بإلى في موضع اللام إشارة إلى الإخلاص أي إخباتاً ينتهي إلى ربهم من غير أن يحجب عنه؛ والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بحال الأول، والأمثال لا تغير عن صورتها‏.‏

ولما تم ذلك على أوضح المسالك، وختم بالحث على التذكر، وكان تقديم ذكر كتاب موسى محركاً لتوقع ذكر نبئه ونبأ غيره من الرسل، عطف- مقروناً بحرف التوقع على العامل الذي قدرته في قوله‏:‏ ‏{‏ألا تعبدوا إلا الله‏}‏ أو على قوله‏:‏ ‏{‏إنما أنت نذير‏}‏ وهو أحسن وأقرب- قوله‏:‏ ‏{‏ولقد أرسلنا‏}‏ أي بما لنا من العظمة ‏{‏نوحاً إلى قومه‏}‏ أي الذين هم على لسانه؛ وما بعد ذلك من القصص تقريراً لمضمون هذا المثل وتثبيتاً وتسلية وتأييداً وتعزية لهذا النبي الكريم لئلا يضيق صدره بشيء مما أمر بإبلاغه حرصاً على إيمان أحد وإن كان أقرب الخلائق إليه وأعزهم عليه كما تقدمت الإشارة إليه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا يكن في صدرك حرج منه‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وضائق به صدرك‏}‏ ويأتي في قوله‏:‏ ‏{‏وكُلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك‏}‏ فوضح أن هذه القصص لهذا المعنى سيقت، وأن سياقها في الأعراف وغيرها كان لغير ذلك كما تقدم وأن تضمن هذا الغرض بيان إهلاك من كانوا أشد من العرب قوة وأكثر جمعاً وأمكن أمراً وأقوى عناداً وأعظم فساداً وأحدّ شوكة وما اتفق في ديارهم من الطامات والأهوال المفظعات تحذيراً من مثل حالهم بارتكاب أفعالهم، ففرق بين ما يساق للشيء وما يلزم منه الشيء، ولهذا الغرض المقصود هنا طولت قصة نوح في هذه السورة ما لم يطوله في غيرها، وصدرت بقوله‏:‏ ‏{‏إني‏}‏ أي قائلاً على قراءة الجمهور بالكسر، والتقدير عند ابن كثير وأبي عمرو والكسائي‏:‏ ملتبساً بأني ‏{‏لكم‏}‏ أي خاصة ‏{‏نذير مبين‏}‏ أي مخوف بليغ التحذير، أبين ما أرسلت به غاية البيان، وذكر فيها أنه طالت مجادلته لهم وأنه لما أوضح له أمر الله تعوذ من السؤال فيه وفي كل ما يشبهه، وخللت قصته بقوله‏:‏ ‏{‏أم يقولون افتراه‏}‏ خطاباً لهذا النبي الكريم وختمت بقوله‏:‏ ‏{‏فاصبر إن العاقبة للمتقين‏}‏ وذكرت قصة إبراهيم عليه السلام لما ضمنته من أنه بشر الولد بما لم يجر بمثله عادة فلم يتردد فيه، وأنه جادل الرسل في قوم ابن أخيه لوط، وأنه لما تحقق حتم الأمر وبت الحكم سلم لربه مع كونه حليماً أواهاً منيباً إلى غير ذلك مما يؤمئ إليه سياق القصص، فكأنه قيل‏:‏ إنما أنت نذير أرسلناك لتبلغ ما أرسلت به من الإنذار وإن شق عليهم وعزتنا لقد أرسلنا من قبلك رسلاً منذرين فدعوا إلى ما أمرت بالدعوة إليه وأنذروهم ما يشق عليهم من بأسنا امتثالاً لأمرنا وما تركوا شيئاً منه خوفاً من إعراض ولا رجاء في إقبال على أن أممهم قالوا لهم ما قالت لك أمتك كما يشير إليه قوله تعالى عن نوح‏:‏ ‏{‏ولا أقول لكم عندي خزائن الله‏}‏- الآية، وقد كان في المخالفين من أممهم القريب منهم نسبه والعزيز عليهم أمره من ابن وصاحبة وغيرهما، هذا مع أن قصصهم دليل على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم‏}‏ وزجر لهم عن مثل قولهم‏:‏ ‏{‏ما يحبسه‏}‏ وتأييد لقوله‏:‏ ‏{‏ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة‏}‏- وغير ذلك مما تقدم، فقد علم من هذا الوجهُ في تكرير هذه القصص، وأنه في كل سورة لمقصد يخالف المقصد في غيرها وإن كان يستفاد من ذلك فوائد أخر‏:‏ منها إظهار القدرة في بيان الإعجاز بتصريف المعنى في الوجوه المختلفة لما في ذلك من علو الطبقة في البلاغة لأنه ربما قال متعنت عند التحدي‏:‏ قد استوفى اللفظ البليغ على الأسلوب الأكمل البديع في هذه القصص فلم تبق لنا ألفاظ نعبر بها عن هذه المعاني حتى نأتي بمثل هذه القصة؛ فأتى بها ثانياً إظهاراً لعجزه وقطعاً لحجته، وربما كررت ثالثاً ورابعاً توكيداً لذلك وتمكيناً للاعتبار بضروب البيان وتصبيراً للنبي صلى الله عليه وسلم على أذى قومه حالاً فحالاً، فإن قيل‏:‏ فما بالها تأتي تارة في غاية البسط وتارة في غاية الإيجاز وتارة على الوسط‏؟‏ قيل‏:‏ هذا من أعلى درجات البلاغة وأجل مراتب الفصاحة والبراعة، فإن قبل‏:‏ فإنا نرى القصة تبسط في بعض السور غاية البسط ثم توجز في غيرها غاية الإيجاز ويؤتي فيها ما لم يؤت في المبسوطة كما في العنكبوت فإنه عين فيها مقدار لبثه وأنه كان ألف سنة إلا خمسين عاماً، فلم لا استوعبت جميع المعاني في الموضع المبسوط كما هو الأليق بمقام البسط لا سيما لمن لا يخفى عليه شيء ولا ينسى، وإذا وقع حذف كان في الموجزة، قيل‏:‏ قال شيخنا حافظ العصر أبو الفضل بن حجر‏:‏ إن الإمام أبا حاتم بن حبان البستي ذكر في كتابه التقاسيم والأنواع‏:‏ إنما لم يرتبه ليحفظ إذ لو رتبه ترتيباً سهلاً لاتكل من يكون عنده على سهولة الكشف منه فلا يتحفظه، وإذا وعر طريق الكشف كان أدعى إلى حفظه ليكون على ذكر من جميعه، وذكر أنه فعل ذلك اقتداء بالكتاب العزيز فإنه ربما أتى بالقصص غير مرتبة، قال شيخنا‏:‏ ومن هنا يظهر أن من أسرار تخصيص بعض الموجزات بما ليس في المبسوط الحث على حفظ الجميع- انتهى‏.‏

وهذه فوائد ينبغي إهمالها بل تستعمل حيث أمكن، والعمدة في المناسبة الوجه الأول وهو أنها في كل سورة لمناسبة تخص تلك السورة، ثم يراعي في البسط وغيره المعاني المناسبة للمقصد الذي سيقت له القصة- والله الموفق‏.‏ واللام في «لقد» للقسم‏:‏ قال الإمام أبو الحسن على بن عيسى الرماني‏:‏ لأنها تدخل على الفعل والحرف الذي يختص بالفعل مما يصح معناه معه‏.‏ ولام الابتداء للاسم خاصة، ومعنى ‏(‏قد‏)‏ توقع الخبر للتقريب من الحال، يقال‏:‏ قد ركب الأمير- لقوم يتوقعون ركوبه فعلى هذا القول جرى ‏{‏ولقد أرسلنا‏}‏ والإبانة‏:‏ إظهار المعنى للنفس بما يمكن إدراكه‏.‏ وأصله القطع، فالإبانة قطع المعنى من غيره ليظهر في نفسه- انتهى‏.‏ والمقصود من الرسالة قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أن‏}‏ أي نذير لأجل أن ‏{‏لا تعبدوا‏}‏ أي شيئاً أصلاً ‏{‏إلا الله‏}‏ أي الملك الأعظم- ومعنى النذارة قوله‏:‏ ‏{‏إني أخاف عليكم‏}‏ وعظم العذاب المحذر منه بقوله‏:‏ ‏{‏عذاب يوم أليم*‏}‏ وإذا كان اليوم مؤلماً فما الظن بما فيه من العذاب‏!‏ فهو إسناد مجازي مثل نهاره صائم، ولم يذكر بشارة كما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏إنني لكم منه نذير وبشير‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 2‏]‏ إرشاداً إلى ما سيقت له القصة من تقرير معنى ‏{‏إنما أنت نذير‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 12‏]‏ ولذلك صرح بالألم بخلاف الأعراف، وكذا ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أول هذه من عذاب يوم كبير، وهما متقاربان؛ ثم ساق سبحانه جواب قومه على وجه هو في غاية التسلية والمناسبة للسياق بقوله‏:‏ ‏{‏فقال‏}‏ أي فتسبب عن هذا النصح العظيم أن قال؛ ولما كان هذا بعد أن تبعه بعضهم قال‏:‏ ‏{‏الملأ‏}‏ وبين أن الجدال مع الضلال بعد أن بين أنهم هم الأشراف زيادة في التسلية بقوله‏:‏ ‏{‏الذين كفروا‏}‏ وبين أنهم اقارب أعزة بقوله‏:‏ ‏{‏من قومه‏}‏ أي الذين هم في غاية القوة لما يريدون محاولة القيام به ‏{‏ما نراك‏}‏ أي شيئاً من الأشياء ‏{‏إلا بشراً‏}‏ اي آدمياً ‏{‏مثلنا‏}‏ أي في مطلق البشرية، لست بملك تصلح لما لا تصلح له من الرسالة، وهذا قول البراهمة، وهو منع نبوة البشر على الإطلاق، وهو قول من يحسد على فضل الله ويعمى عن جلي حكمته فيمنع أن يكون النبي بشراً ويجعل الإله حجراً‏.‏

ولما كانت العظمة عندهم منحصرة في عظمة الأتباع قالوا‏:‏ ‏{‏وما نراك‏}‏ ولما انفوا الرؤية عنه فتشوف السامع إلى ما يقع عليه من المعاني، بينوا أن مرادهم رؤية من اتبعه فقالوا‏:‏ ‏{‏اتبعك‏}‏ أي تكلف اتباعك ‏{‏إلا الذين هم‏}‏ أي خاصة ‏{‏أراذلنا‏}‏ أي كالحائك ونحوه، وليس منا رذل غيرهم، وهو جمع أرذل كأكلب جمع رذل ككلب، والرذل‏:‏ الخسيس الدنيء، وهذا ينتج أنه لم يتبعك أحد له قدر؛ قالوا‏:‏ و‏{‏اتبعك‏}‏ عامل في قوله‏:‏ ‏{‏بادي الرأي‏}‏ وهو ظرف أي اتبعوك بديهة من غير تأمل، فاتباعهم لا يدل على سداد لما اتبعوه من وجهين‏:‏ رذالتهم في أنفسهم، وأنهم لم يفكروا فيه، لكن يضعفه إيراد الاتباع بصيغة الافتعال التي تدل على علاج ومجاذبة، فالأحسن إسناده- كما قالوه أيضاً- إلى أراذل‏.‏ أي أنهم بحيث لا يتوقف ناظرهم عند أول وقوع بصره عليهم أنهم سفلة أسقاط، ويجوز أن يكون المراد «بادي رأيك» أي أنك تظن أنهم اتبعوك، ولم يتبعوك‏.‏

ولما كانوا لا يعظون إلا بالتوسع في الدنيا، قالوا‏:‏ ‏{‏وما نرى لكم‏}‏ أي لك ولمن تبعك ‏{‏علينا‏}‏ وأغرقوا في النفي بقولهم‏:‏ ‏{‏من فضل‏}‏ أي شرف ولا مال، وهذا- مع مامضى من قولهم- قول من يعرف الحق بالرجال ولا يعرف الرجال بالحق، وذلك أنه يستدل على كون الشيء حقاً بعظمة متبعه في الدنيا، وعلى كونه باطلاً بحقارته فيها، ومجموع قولهم يدل على أنهم يريدون‏:‏ لو صح كون النبوة في البشر لكانت في واحد ممن أقروا له بالعلو في الأرض، وعمل ‏{‏اتبعك‏}‏ في ‏{‏بادي‏}‏ يمنعه تمادي الاتباع على الإيمان، فانتفى الطعن بعدم التأمل ‏{‏بل نظنكم كاذبين*‏}‏ أي لكم هذا الوصف لازماً دائماً لأنكم لم تتصفوا بما جعلناه مظنة الاتباع مما يوجب العظمة في القلوب والانقياد للنفوس بالتقدم في الدنيا بالمال والجاه؛ فكان داؤهم بطر الحق وغمط الناس، وهو احتقارهم، وهذا قد سرى إلى أكثر أهل الإسلام، فصاروا لا يعظمون إلا بذلك، وهو أجهل الجهل لأن الرسل أتت للتزهيد في الدنيا وانظر إلى رضاهم لأنفسهم بالعدول عن البينة إلى اتباع الظن ما أردأه‏!‏ وهذا افظع مما حكى هنا من قوله قريش ‏{‏لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك‏}‏ وأبشع؛ والبشر‏:‏ الإنسان لظهور بشرته أي ظاهر جلده لأن الغالب على غيره من الحيوان سترها بالصوف أو الشعر أو الوبر أو الريش؛ والمثل‏:‏ الساد مسد غيره في الحس بمعنى أنه لو ظهر للمشاهدة لسد مسده؛ والرذل‏:‏ الحقير بما عليه من صفات النقص وجمعه؛ والفضل‏:‏ الزيادة من الخير، والإفضال‏:‏ مضاعفة الخير التي توجب الشكر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 30‏]‏

‏{‏قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ‏(‏28‏)‏ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ‏(‏29‏)‏ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

ولما كان ختام جوابهم أشده، بدأ في جوابه برده مبيناً لضلالاتهم مغضياً عن شناعاتهم شفقة عليهم ومحبة لنجاتهم، فقال تعالى حكاية عنه‏:‏ ‏{‏قال يا قوم‏}‏ وشرع يكرر هذه اللفظة كل قليل تذكيراً لهم أنه منهم لتعطفهم الأرحام وتردهم القرابات عن حسد أو اتهامه إلى قبول ما يلقي إليهم من الكلام، وأشار بأداة البعد- مع قربهم- إلى مباعدتهم فيما يقتضي غاية القرب ‏{‏أرأيتم‏}‏ أي أخبروني ‏{‏إن كنت‏}‏ على سبيل الفرض منكم والتقدير ‏{‏على بينة‏}‏ أي برهان ساطع، وزاد ترغيباً فيه بقوله‏:‏ ‏{‏من ربي‏}‏ أي الذي أوجدني وأحسن إليّ بالرسالة وغيرها يشهد بصحة دعواي شهادة لا يتطرق إليها عند المنصف شبهة فكيف بالظن‏!‏ ‏{‏وآتاني‏}‏ فضلاً منه عليّ لا لمعنى فيّ أزيد عليكم به، بل ‏{‏رحمة‏}‏ أي إكراماً بالرسالة بعد النبوة، وعظمها بقوله‏:‏ ‏{‏من عنده‏}‏ فيها فضل عظيم النور واضح الظهور‏.‏

ولما كانت البينة من الرحمة، وحد الضمير فقال‏:‏ ‏{‏فعميت‏}‏ أي فتسبب عن تخصيصي بها أن أظلمت، ووقع ظلامها ‏{‏عليكم‏}‏ أي فعميتم انتم عنها لضعف عقولكم ولم يقع عليكم شيء من نورها، وذلك أن الدليل إذا كان أعمى عاد ضرره على التابع بالحيرة والضلال، وهو معنى قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالبناء للمفعول مشددة ‏{‏أنلزمكموها‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأنتم لها كارهون‏}‏ مع تسميته لها بينة- إشاره إلى أنها لم تعم ولا خفيت عليهم لقوة نورها وشدة ظهورها، وإنما هم معاندون في نفيهم لفضله وفضل من تبعه، والتعبير عن ذلك بالجملة الاسمية واسم الفاعل إشارة إلى أن أفعالهم أفعال من كراهته لها ثابتة مستحكمة، وكأنه لم يكن مأموراً بالقتال كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، والآية ناظرة إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 99‏]‏ ويجوز أن يكون ذلك كناية عن أنهم معاندون مع قطع النظر عن الجهاد وغيره فإن الأنبياء عليهم السلام مأمرون بالمجادلة للمعاندين إلى أن يلزموهم الحجة، وهي لا تفيد إلا الإلزام في الظاهر مع الإنكار والكراهة في الباطن، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة للكاملين، وبالموعظة والخطابة للمنافقين الذي لا يعاندون ويحسنون الظن في الداعي، فيكون المعنى أن البينة لم تنفعكم لشكاسة وإعوجاج في طباعكم، فلم يبق إلا الموعظة وهي لا تفيد إلا مع حسن الظن، وأما مع الكراهة فلا ينفعكم النصح، فلا فائدة في المجادلة إلا الإلزام، وهو مع الكراهة غير نافع لكم‏.‏

ولما كان نفي ذلك عاماً للفضل الدنيوي، وكان الاتصاف بقلة ما في اليد إنما يكون ضاراً إذا كان صاحبه يسأل غيره، نفى عنه هذا اللازم العائب فقال مجيباً عن نفيهم الفضل عنه وعن أتباعه بأنه قد يرد منهم على ذلك ثواباً دنيوياً‏:‏ ‏{‏ويا قوم‏}‏ استعطافاً لهم ‏{‏لا أسئلكم‏}‏ أي في وقت من الأوقات ‏{‏عليه‏}‏ أي الإنذار كما يأخذ منكم من ينذركم أمر من يريد منكم من ينذركم أمر من يريد بكم بعض ما تكرهون في أمور دنياكم حتى تكون عاقبة ذلك أن تتهموني ‏{‏مالاً إن‏}‏ أي ما ‏{‏أجري إلا على الله‏}‏ أي الذي له الجلال والإكرام فبيده الخزائن كلها، ونبه بهذا على أنه لا غرض له من عرض دنيوي ينفر المدعو عنه فوجب تصديقه، وفيه تلقين للجواب عن قول قريش‏:‏ لولا ألقي إليه كنز- كما سيأتي بأبين من ذلك عقب قصة يوسف عليه السلام في قوله‏:‏ ‏{‏وما تسئلهم عليه من أجر‏}‏ لأن هذه القصص كالشيء الواحد متتابعة في بيان حقية هذا القرآن والتأسية في الاقتداء بالرسل في الصبر على أداء جميع الرسالة مع ما يلزم ذلك من جليل العبر وبديع الحكم، فلما اتحد الغرض منها مع تواليها اتحدت متفرقاتها‏.‏

ولما كان التعبير برذالة المتبع مما ينفر أهل الدنيا عن ذلك التابع، بين لهم أن شأنه غير شأنهم وأنه رقيق على من آمن به رفيق به رحيم له وإن كان متأخراً في الدنيا محروماً منها خوفاً من الله الذي اتبعوه فيه فقال‏:‏ ‏{‏وما أنا‏}‏ وأغرق في النفي بقوله‏:‏ ‏{‏بطارد الذين آمنوا‏}‏ أي أقروا بألسنتهم بالإيمان؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لإنكارهم ‏{‏إنهم ملاقوا ربهم‏}‏ أي المحسن إليهم بعد إيجادهم وترتيبهم لهدايتهم، فلو طردتهم لشكوني إليه فلا أرى لكم وجهاً في الإشارة إلى طردهم ولا في شيء مما أجبتموني به ‏{‏ولكني أراكم‏}‏ أي أعلمكم علماً هو كالرؤية ‏{‏قوماً تجهلون*‏}‏ أي تفعلون أفعال أهل الجهل فتكذبون الصادق وتعيرون المؤمنين بما لا يعنيهم وتنسون لقاء الله وتوقعون الأشياء في غير مواقعها، وفي تعبيره ب ‏{‏تجهلون‏}‏ دون ‏{‏جاهلين‏}‏ إشارة إلى أن الجهل متجدد لهم وهو غير عادتهم استعطافاً لهم إلى الحلم، ثم عطف إلى صريح الاستعطاف في سياق محذر من سطوات الله فقال‏:‏ ‏{‏ويا قوم‏}‏ أي الذين هم أعز الناس عليّ ‏{‏من ينصرني من الله‏}‏ أي الذي له جميع العظمة ‏{‏إن طردتهم‏}‏ ولو لم يشكوني إليه لاطلاعه على ما دق وجل‏:‏ ولما تم الجواب عن ازدرائهم، سبب عنه الإنكار لعدم تذكرهم ما قاله لهم بما يجدونه في أنفسهم فقال‏:‏ ‏{‏أفلا تذكرون*‏}‏ أي ولو أدنى تذكر- بما يشير إليه الإدغام- فتعلموا أن من طرد صديقاً لكم عاديتموه وقصدتموه بالأذى، فترجعوا عما طرأ لكم من جهل إلى عادتكم مِنَ الحلم الباعث على التأمل الموقف على الحق؛ والطرد‏:‏ إبعاد الشيء على جهة الهوان؛ والقوم‏:‏ الجماعة الذين يقومون بالأمر، اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ والتذكير‏:‏ طلب معنى قد كان حاضراً للنفس، والتفكر طلبه وإن لم يكن حاضراً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 34‏]‏

‏{‏وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏31‏)‏ قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏32‏)‏ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ‏(‏33‏)‏ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏34‏)‏‏}‏

ولما كان نفيهم للفضل شاملاً للأموال وعلم الغيب، أقرهم على ذلك منبهاً على خطئهم فيه بأنه لم يقل بينهم قط ما يكون سبباً له، فقال عاطفاً على قوله ‏{‏لا أسئلكم عليه أجراً‏}‏؛ ‏{‏ولا أقول لكم‏}‏ أي في وقت من الأوقات ‏{‏عندي خزائن الله‏}‏ أي الملك الأعظم فأتفضل عليكم بها؛ ولما كان من الجائز أن يمكن الله من يشاء من خزائن الأرزاق ونحوها فيسوغ له أن يطلق ملك ذلك مجازاً، ولا يجوز أن يمكنه من علم الغيب، وهو ما غاب عن الخلق كلهم، لأنه خاصته سبحانه، قال عاطفاً على ‏{‏أقول‏}‏ لا على المقول‏:‏ ‏{‏ولا أعلم الغيب‏}‏ لا حقيقة ولا مجازاً فأعلم وقت ما توعدون به أو ما في قلوب المؤمنين مما قد يتوهم به من السوء، وأعلمهم أنه لا مانع من إرسال البشر بقوله‏:‏ ‏{‏ولا أقول إني ملك‏}‏ فتكون قوتي أفضل من قوتكم أو خلقي أعظم قدراً من خلقكم ونحو ذلك من الفضل الصوري الذي جعلتموه هو الفضل، فلا تكون الآية دليلاً على أفضلية الملائكة، وتقدم في الأنعام سر إسقاطه ‏{‏لكم‏}‏‏.‏

ولما كان تعريضهم بنفي الملكية عنه من باب الإزراء، أتبعه تأكيد قبوله لمن آمن كائناً من كان وإن ازدروه بقوله‏:‏ ‏{‏ولا أقول للذين‏}‏ أي لأجل الذين ‏{‏تزدري‏}‏ أي تحتقر ‏{‏أعينكم‏}‏ أي تقصرون به عن الفضل عند نظركم له وتعيبونه ‏{‏لن يؤتيهم الله‏}‏ أي الذي له الكمال كله ‏{‏خيراً‏}‏ ولما كان كأنه قيل‏:‏ ما لك لا تقول ذلك‏؟‏ أجاب بما تقديره‏:‏ لأني أعلم ضمائرهم ولا أحكم إلا على الظاهر‏:‏ ‏{‏الله‏}‏ أي المحيط بكل شيء ‏{‏أعلم‏}‏ أي حتى منهم ‏{‏بما في أنفسهم‏}‏ ومن المعلوم أنه لا يظلم أحداً، فمن كان في نفسه خير جازاه عليه، ويجوز أن يكون هذا راجعاً إلى ‏{‏بادي الرأي‏}‏ بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم كما تقدم؛ ثم علل كفه عن ذلك بقوله مؤكداً لإنكارهم ظلمه على ذلك التقدير‏:‏ ‏{‏إني إذاً‏}‏ أي إذا قلت لهم ذلك ‏{‏لمن الظالمين‏}‏ اي العريقين في وضع الشيء في غير موضعه؛ والخزائن‏:‏ أخبية المتاع الفاخرة، وخزائن الله مقدوراته لأنه يوجد منها ما يشاء، وفي وصفها بذلك بلاغة؛ والغيب‏:‏ ذهاب الشيء عن الإدراك، ومنه الشاهد خلاف الغائب، وإذا قيل‏:‏ علم غيب، كان معناه‏:‏ علم من غير تعليم؛ والازدراء‏:‏ الاحتقار، وهو افتعال من الزراية، زريت عليه- إذا عبته، وأزريت عليه- إذا قصرت به؛ والملك أصله مألك من الألوكة وهي الرسالة‏.‏

فلما استوفى نقض ما أبرموه في زعمهم من جوابهم على غاية الإنصاف واللين والاستعطاف، استأنف الحكاية عنهم بقوله‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏ أي قول من لم يجد في رده شبهة يبديها ولا مدفعاً يغير به‏:‏ ‏{‏يا نوح قد جادلتنا‏}‏ أي اردت فتلنا وصرفنا عن آرائنا بالحجاج وأردنا صرفك عن رأيك بمثل ذلك ‏{‏فأكثرت‏}‏ أي فتسبب عن ذلك وعن تضجرنا أنك أكثرت ‏{‏جدالنا‏}‏ أي كلامنا على صورة الجدال ‏{‏فأتنا‏}‏ أي فتسبب عن ذلك وعن تضجرنا أن نقول لك‏:‏ لم يصح عندنا دعواك، ائتنا ‏{‏بما تعدنا‏}‏ من العذاب ‏{‏إن كنت‏}‏ أي كوناً هو جبلة لك ‏{‏من الصادقين*‏}‏ أي العريقين في الصدق في أنه يأتينا فصرحوا بالعناد المبعد من الإنصاف والاتصاف بالسداد وسموه باسمه ولم يسمحوا بأن يقولوا له‏:‏ يا ابن عمنا، مرة واحدة كما كرر لهم‏:‏ يا قوم، فكان المعنى أنا غير قابلين لشيء مما تقول وإن أكثرت وأطلت- بغير حجة منهم بل عناداً وكبراً فلا تتعب، بل قصر الأمر مما تتوعدنا به، وسموه وعداً سخرية به، أي أن هذا الذي جعلته وعيداً هو عندنا وعد حسن سار باعتبار أنا نحب حلوله، المعنى أنك لست قادراً على ذلك ولا أنت صادق فيه، فإن كان حقاً فائتنا به، فكأنه قيل‏:‏ ماذا قال لهم‏؟‏ فقيل‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ جرياً على سنن قوله ‏{‏ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب‏}‏‏:‏ ‏{‏إنما يأتيكم به الله‏}‏ أي الذي له الإحاطة بكل شيء فتبرأ من الحول والقوة ورد ذلك إلى من هو له، وأشار بقوله‏:‏ ‏{‏إن شاء‏}‏ إلى أنه مخير في إيقاعه وإن كان قد تقدم قوله به إرشاداً إلى أنه سبحانه لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء، بل ولا يسأل عما يفعل وإن كان لا يقع إلا ما أخبر به؛ ثم بين لهم عجزهم وخطأهم في تعرضهم للهلاك فقال‏:‏ ‏{‏وما أنتم بمعجزين*‏}‏ أي في شيء من الأوقات لشيء مما يريده بكم سبحانه؛ والإكثار‏:‏ الزيادة على مقدار الكفاية؛ والمجادلة‏:‏ المقابلة بما يفتل الخصم عن مذهبه بحجة أو شبهة، وهو من الجدل وهو شدة الفتل والمطلوب به الرجوع عن المذهب، والمطلوب بالحجاج ظهور الحجة، فهو قد يكون مذموماً كالمراء، وذلك حيث يكون للتشكيك في الحق بعد ظهوره، وحيث قيد الجدال ب

‏{‏التي هي أحسن‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 46‏]‏ فالمراد به إظهار الحق‏.‏

ولما بين أنهم إنما هم في قبضته سبحانه، زاد في بيان عظمته وأن إرادته تضمحل معها كل إرادة في سياق دال على أنه بذلك ناصح لهم وأن نصحه خاص بهم، فقال جواباً لما وهموا من أن جداله لهم كلام بلا طائل‏:‏ ‏{‏ولا ينفعكم نصحي‏}‏ وذكر إرادته لما يريد أن يذكره من إرادة الله فقال‏:‏ ‏{‏إن أردت‏}‏ أي جمعت إلى فعل النصح إرادة ‏{‏أن أنصح لكم‏}‏ بإعلام موضع الغي ليتقى والرشد ليتبع، وجزاءه محذوف تقديره‏:‏ لا ينفعكم نصحي ‏{‏إن كان الله‏}‏ أي الذي له الأمر كله ‏{‏يريد أن يغويكم‏}‏ أي يضلكم ويركبكم غير الصواب فإنه إرادته سبحانه تغلب إرادتي وفعلي معاً لا ينفعكم شيء إشارة إلى أنكم لا تقدرون على دفع العذاب بقوة فتكونوا غالبين، ولا بطاعة فتكونوا محبوبين مقربين إن كان الله يريد إهلاككم بالإغواء، وأن أردت أنا نجاتكم، ولم يقل‏:‏ ولا ينفعكم نصحي إن نصحت لكم، إشارة إلى أني لا أملك إلا إرادتي لنصحكم، فإذا أردته فغاية ما يترتب عليه من فعلي وقوع النصح وإخلاصه لكم، وأما النفع به فلا شيء منه إليّ، بل هو تابع لمراد الله، فإن أراد غوايتكم حصلت لا محالة، ولم يقع ما قد يترتب على النصح من عمل المنصوح بمقتضاه المستجلب لنفع المستدفع للضر؛ ثم رغبهم في إحسانه ورهبهم من انتقامه معللاً لعدم ما لا يريده‏:‏ ‏{‏هو ربكم‏}‏ أي الموجد لكم المدبر لأموركم فهو يتصرف وحده لما يريد‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فمنه مبدؤكم، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وإليه‏}‏ أي لا إلى غيره ‏{‏ترجعون*‏}‏ أي بأيسر أمر وأهونه بالموت ثم البعث فيجازيكم على أعمالكم كما هي عادة الملوك مع عمالهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 40‏]‏

‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ‏(‏35‏)‏ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏(‏36‏)‏ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ‏(‏37‏)‏ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ‏(‏38‏)‏ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ‏(‏39‏)‏ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ‏(‏40‏)‏‏}‏

ولما كان مضمون هذه الآية نحو مضمون قوله‏:‏ ‏{‏إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل‏}‏ فإن النذير من ينصح المنذر، والوكيل هو المرجوع إليه في أمر الشيء الموكول إليه، وما قبلها تعريض بنسبة نوح عليه السلام إلى الافتراء، تلاه بما تلا به ذاك من النسبة إلى الافتراء وإشارة إلى أن هذه القصص كلها للتسلية في أمر النذارة والتأسية فكأنه قيل‏:‏ أيقولون لك مثل هذه الأقوال فقد قالوها لنوح كما ترى، ثم والى عليهم من الإنذار ما لم يطعموا معه في ترك شيء مما أمرناه به أعجبهم أو أغضبهم، فلك به أسوة وحسبك به قدوة في أن تعد كلامهم عدماً وتقبل على ما أرسلناك به من بذل النصيحة بالنذارة‏:‏ ‏{‏أم يقولون‏}‏ في ا لقرآن ‏{‏افتراه‏}‏ إصراراً على ما تقولوه فدمغه الدليل وأدحضته الحجة فكأنه قيل‏:‏ نعم، إنهم يقولون ذلك، فقيل‏:‏ لا عليك فإنه قول يقصدون به مجرد العناد وهم يعلمون خلافه بعد ما قام عليهم من الحجج التي وصلوا معها إلى عين اليقين فلا يهمنك قولهم هذا، فإنهم يجعلونه وسيلة إلى تركك بعض ما يوحى إليك فلا تفعل، بل ‏{‏قل‏}‏ في جواب قولهم هذا ‏{‏إن افتريته‏}‏ أي قطعت كذبه ‏{‏فعليَّ‏}‏ أي خاصاً بي ‏{‏إجرامي‏}‏ أي وباله وعقابه دونكم وإذا استعلى عليَّ الإجرام عرف ذلك لأرباب العقول وظهر ظهوراً أفتضح به وأنتم أعرف الناس بأني أبعد من ذلك مما بين اجتماع الضدين وارتفاع النقيضين لما تعلمون مني من طهارة الشيم وعلو الهمم وطيب الذكر وشريف القدر وكريم الأمر، هذا لو كنت قادراً على ذلك فكيف وأنا وأنتم في العجز عنه سواء ‏{‏وأنا بريء‏}‏ أي غاية البراءة ‏{‏مما تجرمون*‏}‏ أي توجدون إجرامه، ليس عليَّ من إجرامكم عائد ضرر بعد أن أوضحته لكم وكشقت عنكم غطاء الشبه، إنما ضرره عليكم فاعملوا على تذكر هذا المعنى فإن سوق جوابهم على هذا الوجه أنكى لهم من إقامة حجة أخرى لأنهم يعلمون منه أنه إلزام لهم بالفضيحة لانقطاعهم لدى من له وعي، ويمكن أن يكون التقدير‏:‏ هل انتبه قومك يا محمد فعلموا قبح مثل هذه الحال وأنها حال المعاندين، فرجعوا تكرماً عن ركوب مثلها واستحياء ‏{‏أم يقولون افتراه‏}‏ أي كذبه متعمداً استمراراً على العناد وتمادياً في البعاد كما تمادى قوم نوح فيحل بهم ما حل بهم، أي هل رجعوا بهذا المقدار من قصة قوم نوح أم هم مستمرون على ما نسبوك إليه في أوائل السورة من افترائه فيحتاجون إلى تكميل القصة بما وقع من عذابهم ليخافوا مثل مصابهم؛ وافتراء الكذب‏:‏ افتعاله من قبل النفس فهو أخص من مطلق الكذب لأنه قد يكون تقليداً للغير‏.‏

ولما فرغ من هذه الجملة التي هي المقصود بهذا السياق كله وإن كانت اعتراضية في هذه القصة، رجع إلى إكمالها بياناً لأن نوحاً عليه السلام كان يكاشف قومه بجميع ما أمر به وإن عظمت مشقته عليهم بحيث لم يكن قط موضع رجاء لهم في أن يترك شيئاً منه وتحذيراً لكل من سمع قصتهم من أن يحل به ما حل بهم فقال‏:‏ ‏{‏وأوحي‏}‏ أي من الذي لاموحي إلا هو وهو ملك الملوك ‏{‏إلى نوح‏}‏ بعد تلك الخطوب ‏{‏أنه لن يؤمن‏}‏ بما جئت به ‏{‏من قومك إلا من‏}‏ ولما كان الذي يجيب الإنسان إلى ما يسأله فيه يلوح عليه مخايل قبل الإجابة يتوقع السائل بها الإجابة، قال‏:‏ ‏{‏قد آمن فلا‏}‏ أي فتسبب عن علمك بأنه قد تم شقاءهم أنا نقول لك‏:‏ لا ‏{‏تبتئس‏}‏ أي يحصل لك بؤس، أي شدة يعظم عليك خطبها بكثرة تأملك في عواقبها ‏{‏بما كانوا‏}‏ أي بما جبلوا عليه ‏{‏يفعلون*‏}‏ فإنا نأخذ لك بحقك منهم قريباً، وكأنه كان أعلمه أنهم إن لم يجيبوه أغرقهم وأنجاه ومن معه في فلك يحملهم فيه على متن الماء فقال‏:‏ ‏{‏واصنع الفلك‏}‏ حال كونك محفوظاً ‏{‏بأعيننا‏}‏ نحفظك أن تزيغ في عملها، وجمع مبالغة في الحفظ والرعاية على طريق التمثيل ‏{‏ووحينا‏}‏ فنحن نلهمك أصلح ما يكون من عملها وأنت تعلم ما لنا من العظمة التي تغلب كل شيء ولا يتعاظمها شيء، فلا تهتم بكونك لا تعرف صنعتها؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله أوحى إليه أن يصنعه مثل جؤجؤ الطائر- أي صدره‏.‏ وأشار إلى شفقته على قومه وحبه لنجاتهم كما هو حال هذا النبي الكريم مع أمته فقال‏:‏ ‏{‏ولا تخاطبني‏}‏ أي بنوع مخاطبة وإن قلت ‏{‏في الذين ظلموا‏}‏ أي أوجدوا الظلم واستمروا عليه في أن أنجيهم؛ ثم علل النهي بأن الحكم فيهم قد انبرم فقال‏:‏ ‏{‏إنهم مغرقون*‏}‏ قد انبرم الأمر بذلك؛ والابتئاس‏:‏ حزن في استكانة، لأن أصل البؤس الفقر والمسكنة؛ والوحي‏:‏ إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء، وقد يكون إفهاماً من غير كلام بإشارة ونحوها، وقد يكون بكلام خفي؛ والفلك‏:‏ السفينة، يؤنث ويذكر، واحده وجمعه سواء، وأصله الإدارة من الفلكة‏.‏

ولما أمره تعالى ونهاه، أخبر أنه امتثل ذلك بقوله عاطفاً على ما تقديره‏:‏ فأيس من إيمان أحد منهم فترك دعاءهم وشرع يسلي نفسه‏:‏ ‏{‏ويصنع‏}‏ أي صنعة ماهر جداً، له ملكة عظيمة بذلك الصنع ‏{‏الفلك‏}‏ فحلى فعله حالُ علمه بأنه سبحانه بت الأمر بأنه كان يعمل ما أمره به سبحانه ولم يخاطبه فيهم ولا أسف عليهم، وأشار إلى أنهم ازدادوا بغياً بقوله‏:‏ ‏{‏وكلما‏}‏ أي والحال أنه كلما ‏{‏مرَّ عليه ملأ‏}‏ أي أشراف ‏{‏من قومه‏}‏ وأجاب «كلما» بقوله‏:‏ ‏{‏سخروا منه‏}‏ أي ولم يمنعهم شرفهم من ذلك، وذلك أنهم رأوه يعاني ما لم يروا قبله مثله ليجري على الماء وهو في البر وهو على صفة من الهول عظيمة فعن الحسن أن طوالها ألف ذراع ومائتا ذراع وعرضها ستمائة، فقالوا‏:‏ يانوح‏!‏ ما تصنع‏؟‏ قال‏:‏ أبني بيتاً على الماء، ويجوز أن يكون ‏{‏سخروا‏}‏‏:‏ صفة لملإ، وجواب ‏{‏كلما‏}‏ ‏{‏قال‏}‏، ولما أيأسه الله من خيرهم، ترك ما كان من لينه لهم واستعطافهم فعلم أن ذلك ما كان إلا له سبحانه، فقال حاكياً عنه استئنافاً‏:‏ ‏{‏قال إن تسخروا منا‏}‏ ولما كانوا يظنون أنه غائب في عمله كان عندهم موضعاً لخزي والسخرية، وكان هو صلى الله عليه وسلم عالماً بأن عملهم سبب لخزيهم بالعذاب المستأصل، فكان المعنى‏:‏ إن تسخروا منا- أي مني وممن يساعدني- لظن أن عملنا غير مثمر ‏{‏فإنا نسخر‏}‏ أي نوجد السخرية ‏{‏منكم‏}‏ جزاء لكم ‏{‏كما تسخرون‏}‏ منا الآن لأن عملنا منج وعملكم ليس مقتصراً على الضياع بل هو موجب لما توعدون من العذاب فأنتم المخزيون دوني‏.‏

ولما كان قوله ‏{‏نسخر منكم‏}‏ واقعاً موقع هذا الإخبار، حسن الإتيان بالفاء المؤذنة بتسبب العلم المذكور عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فسوف تعلمون‏}‏ أي بوعد لا خلف فيه ‏{‏من يأتيه عذاب يخزيه‏}‏ أي يفضحه فيذله، وكأن المراد به عذاب الدنيا ‏{‏ويحل عليه‏}‏ أي حلول الدين الذي لا محيد عنه ‏{‏عذاب مقيم*‏}‏ وهو عذاب الآخرة، وقد مضى نحوه في الأنعام عند قوله ‏{‏فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار‏}‏؛ والسخرية‏:‏ إظهار ما يخالف الإبطان على جهة تفهم استضعاف العقل، من التسخير وهو التذليل استضعافاً بالقهر، وهي تفارق اللعب بأن فيها خدعة استنفاض، فلا تكون إلا بحيوان، واللعب قد يكون بجماد لأنه مطلق طلب الفرح؛ والخزي‏:‏ العيب الذي تظهر فضيحته والعار به، ونظيره الذل والهوان؛ واستمر ذلك دأبه ودأبهم ‏{‏حتى إذا جاء أمرنا‏}‏ أي وقت إرادتنا لإهلاكم ‏{‏وفار‏}‏ أي غلا وطفح ‏{‏التنور‏}‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد أنه الحقيقي الذي يخبز فيه، وهذا هو الظاهر فلا يعدل عنه إلا بدليل، لأن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل عبث كما قاله أهل الأصول ‏{‏قلنا‏}‏ بعظمتنا ‏{‏احمل‏}‏ ولما كان الله تعالى قد أمره أن يجعل لها غطاء- كما قاله أهل التفسير- لئلا تمتلئ من شدة الأمطار، كانت الظرفية فيها بخلاف غيرها من السفن واضحة فلذلك قال‏:‏ ‏{‏فيها‏}‏ أي السفينة ‏{‏من كل زوجين‏}‏ من الحيوانات، والزوج فرد يكون معه آخر لا يكمل نفعه إلا به ‏{‏اثنين‏}‏ ذكراً وأنثى ‏{‏وأهلك‏}‏ أي احملهم، والأهل‏:‏ العيال ‏{‏إلا من سبق‏}‏ غالباً ‏{‏عليه القول‏}‏ بأني أغرقه وهو امرأته وابنه كنعان ‏{‏ومن‏}‏ أي واحمل فيها من ‏{‏آمن‏}‏ قال أبو حيان‏:‏ وكانت السفينة ثلاث طبقات‏:‏ السفلى للوحوش، والوسطى للطعام والشراب، والعليا له ولمن آمن معه؛ ثم سلى المخاطب بهذه القصص صلى الله عليه وسلم وذكره نعمته بكثرة من اتبعه مع صدعهم بمؤلم الإنذار على قصر الزمان دون نوح عليهم السلام مع تطاول الزمن فقال‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ أي والحال أنه ما ‏{‏آمن‏}‏ كائناً ‏{‏معه‏}‏ أي بإنذاره ‏{‏إلا قليل*‏}‏ بسبب تقديرنا لا باغضائهم بما كوفحوا به من الإنذار؛ والتنور- قال أبو حيان‏:‏ وزنه فعول عند أبي علي وهو أعجمي، وقال ثعلب‏:‏ وزنه تفعول من النور، وأصله تنوور، همزت الواو ثم خففت وشدد الحرف الذي قبلها، والزوج قد كثر على الرجل الذي له امرأة؛ قال الرماني‏:‏ وقال الحسن في

‏{‏ومن كل شيء خلقنا زوجين‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 49‏]‏‏:‏ السماء زوج والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه شيء، ومعنى ذلك في صحيح البخاري وأقل ما قيل فيمن كان في السفينة ثمانية‏:‏ نوح وامرأة له، وثلالة بنين‏:‏ سام وحام ويافث، ونساؤهم؛ وأكثر ما قيل أنهم ثمانون- روي عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏